منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من منصات التتويج لقفص الاتهام.. اعتقال الأسترالي روبرتس سميث بتهم جرائم حرب

07 أبريل 2026

أوقفت الشرطة الفيدرالية الأسترالية، بالتعاون مع مكتب المحقق الخاص، الجندي السابق الأكثر حصولاً على الأوسمة في البلاد، بن روبرتس سميث، وذلك فور وصوله إلى مطار سيدني صباح الثلاثاء، لتبدأ فصلاً جديداً من الملاحقة القانونية بتهم ارتكاب خمس جرائم قتل وصفت بأنها جرائم حرب وقعت فوق الأراضي الأفغانية.

وصرحت مفوضة الشرطة الفيدرالية الأسترالية، كريسي باريت، بأن هذه الاعتقالات تأتي بعد تحقيقات مكثفة تتعلق بمقتل مواطنين أفغان عزل كانوا تحت سيطرة قوات الدفاع الأسترالية، مؤكدة أن الضحايا لم يكونوا مشاركين في أي أعمال عدائية وقت تصفيتهم المزعومة بين عامي 2009 و2012.

وتفيد المعلومات الواردة من صحيفة “الغارديان” بأن التهم تتركز حول ثلاث حوادث دموية؛ الأولى في موقع “ويسكي 108” عام 2009، والثانية تتعلق بمقتل المدني علي جان عام 2012، والثالثة في منطقة سياششو في العام ذاته، حيث يواجه روبرتس سميث، البالغ من العمر 47 عاماً، عقوبة تصل إلى السجن المؤبد في حال إدانته.

وكشف مدير التحقيقات في مكتب المحقق الخاص، روس بارنيت، أن التحقيق الذي بدأ في عام 2021 اتسم بالدقة المهنية رغم الصعوبات اللوجستية البالغة، حيث يبعد مسرح الجريمة عن أستراليا بنحو 9000 كيلومتر، مع انعدام القدرة على إجراء تشريح للجثث أو تحليل لبقع الدم والمقذوفات.

وأضاف بارنيت أن غياب المخططات والصور الرسمية للموقع لم يمنع المحققين من المضي قدماً في القضية التي تستوجب أقصى درجات الاهتمام نظراً لخطورة الاتهامات الموجهة لروبرتس سميث، الذي نفى مراراً ارتكاب أي مخالفة رغم خسارته السابقة لدعوى تشهير ضد صحف “ذي إيج” و”سيدني مورنينغ هيرالد” و”كانبرا تايمز” التي كشفت تورطه في قتل مدنيين.

وكانت المحكمة الفيدرالية قد خلصت، وفق معيار الأدلة المدنية وترجيحها، إلى أن الجندي السابق قام بركل المدني “علي جان” في صدره من فوق جرف شاهق يبلغ ارتفاعه 10 أمتار قبل أن يأمر جندياً آخر بإعدامه رمياً بالرصاص، وهو ما يضع سمعة المؤسسة العسكرية الأسترالية أمام اختبار حقوقي وقانوني عسير.

التمثيل بكرامة الضحايا

أظهرت وقائع المحاكمة المدنية التي خسرها الجندي السابق تفاصيل مروعة حول مداهمة مجمع مدمر يحمل الاسم الرمزي “ويسكي 108” عام 2009، حيث خلص القاضي أنتوني بيسانكو إلى أن روبرتس سميث أمر جندياً برتبة أدنى في دوريته بإعدام رجل مسن خرج من نفق سري وهو أعزل واستسلم بالفعل، قبل أن يقدم الجندي نفسه على قتل شاب ذي ساق اصطناعية كان يختبئ معه.

وأكدت التقارير أن روبرتس سميث اعتدى على الرجل المعاق خارج أسوار المجمع، وطرحه أرضاً ثم أطلق عليه النار من رشاشه “بارا مينيمي” وهو ملقى على الأرض، ما أدى إلى مقتله في الحال.

وذكرت المعلومات أن انتهاك الكرامة الإنسانية لم يتوقف عند القتل، بل امتد لقيام جندي آخر بالاحتفاظ بالساق الاصطناعية للضحية كـ”تذكار”، واستخدامها ككأس احتفالي غريب في حانة “فات ليديز آرمز” داخل القاعدة العسكرية، مما يعكس ثقافة وحشية تجاه المحتجزين.

وأوضحت مفوضة الشرطة الفيدرالية، كريسي باريت، أن المتهم اعتقل في صالة المغادرة المحلية بعد سفره من بريسبان إلى سيدني، ممتنعة عن التعليق عما إذا كان يخطط لمغادرة البلاد دولياً.

وأشارت باريت إلى أن الضحايا في جميع الحوادث كانوا محتجزين وتحت السيطرة الفعلية لأفراد القوات الأسترالية، ما ينفي عن الحوادث صبغة الاشتباك القتالي المشروعة.

ومن جانبه، امتنع رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، عن التعليق المفصّل على القضية أمام الصحفيين في كانبرا، مؤكداً أن الحكومة لا تنوي التأثير على مسار قضية قانونية معروضة أمام المحاكم.

وفي السياق ذاته، يواجه روبرتس سميث تهمة المساعدة والتحريض في حوادث أخرى وقعت في “كاكاراك” بولاية أوروزغان عام 2009، مما يعزز الرواية الحقوقية حول وجود نمط متكرر من الإعدامات الميدانية التي طالت المدنيين الأفغان خلال فترة خدمته كعريف في القوات الجوية الخاصة (SAS).

جدل التوقيت

وعلى الجانب الآخر، انتقدت زعيمة حزب “أمة واحدة”، بولين هانسون، بشدة عملية الاعتقال التي وصفتها بـ”المشينة” لكونها تمت أمام ابنتي المتهم المراهقتين، معلنة ثبات دعمها لروبرتس سميث الذي حصل سابقاً على لقب “أب العام”.

ونقلت منصة “ذا نايتلي” الأسترالية، عن هانسون أن الشرطة ومكتب التحقيقات أنفقا نحو 300 مليون دولار على مدار عشر سنوات للوصول إلى هذه المرحلة، محذرة من أن المتهم قد يحتجز لمدة عامين في حال رفض طلب الكفالة.

ومن زاوية أخرى، رأى رئيس الوزراء السابق، توني أبوت، أنه من الخطأ الحكم على تصرفات الرجال في القتال المميت بمعايير الحياة المدنية العادية، مشيداً بولاء وكفاءة الجيش خلال فترة رئاسته، رغم إقراره بضرورة إنفاذ القواعد حتى ضد الجنود في أوقات الحرب.

ووصف شهود عيان لشبكة “ناين نيوز” الأسترالية لحظة نزول الجندي السابق من الطائرة على مدرج مطار سيدني، حيث كانت سيارتا شرطة فيدرالية بانتظاره لاقتياده بعيداً.

تواجه السلطات تساؤلات حقوقية حول سبب تأخر اكتشاف هذه التجاوزات لسنوات، حيث بدأ تحقيق “بريرتون” عام 2016 ولم يختتم إلا عام 2020، في حين لم توجه أول تهمة بارتكاب جريمة حرب ضد جندي إلا عام 2023 وهو أوليفر شولز.

تمثل هذه القضية المرة الثانية التي توجه فيها اتهامات بالقتل العمد في إطار جرائم الحرب ضد أحد أفراد قوات الدفاع الأسترالية، ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمدى التزام القوات بالقيم الديمقراطية والمواثيق الدولية التي ترفع اسم أستراليا.