منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مقبرة المهاجرين.. كيف أصبح البحر المتوسط أخطر طريق للهجرة؟

10 أبريل 2026
إنقاذ مهاجرين تعرضوا للغرق
إنقاذ مهاجرين تعرضوا للغرق

أصبح البحر الأبيض المتوسط أخطر طريق للهجرة بسبب اعتماد المهاجرين على قوارب غير صالحة للإبحار تُشغّلها شبكات تهريب غير قانونية، مع غياب فرص الوصول القانوني، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وتشير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى وفاة 1,340 شخصا على الطريق المركزي للبحر المتوسط خلال عام 2025.

تكرار الحوادث

منذ بداية عام 2026 حتى مارس، أعلنت منظمات “سي ووتش” و “ميديتيرانيا لإنقاذ البشر” أن 683 مهاجراً لقوا حتفهم أو فُقدوا في البحر المتوسط في أحد أعلى معدلات الوفاة على هذا الطريق منذ بدء توثيق البيانات في عام 2014، وفق تقرير للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وكان أحدث حادث مأساوي في أعياد الفصح، عندما غرق قارب يحمل 105 أشخاص انطلق من ليبيا، ما أدى إلى فقدان 71 شخصاً، بينما تم إنقاذ 32 آخرين.

في حادثة مأساوية أخرى قبالة سواحل اليونان، أعلن خفر السواحل اليوناني وفاة 22 مهاجراً بعد أن ظلوا ستة أيام في البحر على متن قارب مطاطي غير صالح للإبحار أثناء محاولتهم الوصول إلى الأراضي الأوروبية من ليبيا، وفق بيان رسمي نقلته وكالة رويترز عن السلطات اليونانية، وقد خرج القارب من ميناء طبرق في شرق ليبيا في 21 مارس 2026، وبقي ركابه لعدة أيام من دون ماء أو طعام وسط ظروف جوية قاسية، مما أدى إلى نفاد الزاد وضعفهم الشديد حتى توفوا واحدا تلو الآخر، وأفاد البيان بأن جثث الذين ماتوا أُلقيت في مياه البحر بأوامر أحد مهربي البشر، بحسب إفادات الناجين فيما تم إنقاذ 26 شخصا آخرين، بينهم امرأة وقاصر، بواسطة سفينة تابعة لوكالة فرونتكس الأوروبية لمراقبة الحدود قرب جزيرة كريت، بينما أوقفت السلطات اليونانية شابين من جنوب السودان يشتبه في تورطهما في عملية التهريب، وفق ما نقلت بيانات خفر السواحل اليوناني.

أرقام رسمية تقر بقسوة الواقع

تكشف قاعدة بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن عام 2025 شهد وصول نحو 154,500 مهاجرًا عبر البحر المتوسط إلى أوروبا، مقابل 2,950 شخصا لقوا حتفهم أو فقدوا في الطريق نفسه خلال العام نفسه، في انخفاض نسبي عن عدد الوافدين في سنوات مرتفعة مثل 2015، لكنه لا يُخفّف من خطورة الوضع، وتشير الإحصاءات إلى أن أعداد الوافدين في 2024 كانت 199,400 بينما سجلت 3,580 حالة وفاة أو اختفاء، وبين عامي 2015 و2025، يوجد أكثر من 33,000 حالة وفاة أو مفقودين على طريق البحر المتوسط وحده.

كما تؤكد بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط هو أخطر ممر هجرة بحري في العالم، حيث تم تسجيل 1,340 حالة وفاة على الطريق المركزي خلال عام 2025 وحده، مع تحذير بأن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بسبب حالات غير موثّقة.

أسباب الهجرة والاعتماد على طرق خطيرة

تتعدد دوافع المهاجرين لعبور البحر المتوسط، لكن الزخم الأكبر ينشأ من النزاعات المستمرة في ليبيا وسوريا والصومال، والأزمات الاقتصادية والتراجع في فرص العمل والأنظمة الاجتماعية، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن شبكات المهربين غير القانونية تستغل هذه الظروف لرمي المهاجرين في قوارب عائمة بلا معايير أمان، مما يعرضهم لخطر الغرق في البحر، وقد أدّت سياسات بعض الدول الأوروبية التي ركزت على الحد من التدفقات وتقليل طرق الوصول القانوني إلى مزيد من الاعتماد على هذه الشبكات.

تحذيرات أممية ومسؤولية القانون الدولي

تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن القانون الدولي يفرض على الدول واجب البحث والإنقاذ، ويمنع إعادة أي شخص إلى بلد يمكن أن يتعرض فيه للاضطهاد أو الأذى، وهو ما يُعرف بمبدأ عدم الإعادة القسرية، ورغم ذلك، تكرر المفوضية دعوتها إلى توفير طرق وصول آمنة وقانونية لتقليل الاعتماد على شبكات التهريب البحرية التي تراهن على استغلال ضعف الحمايات القانونية.

وفي سياق القانون الدولي، حذرت منظمة العفو الدولية من أن تحويل عمليات البحث والإنقاذ إلى مهام عسكرية أو أمنية فقط لا يكفي لحماية المهاجرين، بل يجب توفير قنوات لجوء شرعية وآليات لمراقبة وضمان تنفيذ التزامات حقوق الإنسان في البحر، وتعتقد المنظمة أن استمرار تجاهل هذه الالتزامات سيؤدي إلى مزيد من الوفيات في السنوات القادمة.

مطالب حقوقية

دعت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش الاتحادَ الأوروبي والدولَ المطلة على البحر المتوسط إلى تبني سياسات شاملة تستند إلى احترام حقوق الإنسان، تشمل فتح ممرات آمنة للاجئين، وتعزيز عمليات البحث والإنقاذ، وتقديم دعم فوري للناجين من الحوادث البحرية.

كما أكدتا ضرورة دعم الأمم المتحدة وجهود المنظمات الإنسانية من أجل توفير طرق آمنة ومنظمة للحركات العابرة للحدود، إذ إن تحويل العمل البحري إلى عمليات أمنية أو شروط مشدّدة على الحدود لا يكفي لإنقاذ الأرواح، بل يجب الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في تنفيذ عمليات الإغاثة والحماية، وقد عبّرت المفوضية السامية عن أسفها لاستمرار المآسي رغم التحذيرات الأممية المتكررة.

سياسات هجرة ولجوء مشددة

تتبنى العديد من الدول الأوروبية سياسات هجرة ولجوء مشددة تهدف إلى تقليل تدفقات المهاجرين غير النظاميين عبر الحدود، وخاصة عبر البحر الأبيض المتوسط، ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أدت القيود على موانئ الوصول والطريق القانونية منذ عام 2024 إلى ارتفاع نسبة المخاطر أثناء الرحلة بنسبة 18% مقارنة بالفترة التي كانت فيها القنوات القانونية مفتوحة، كما أظهرت تقارير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن إجراءات التشديد أدت إلى اعتماد المهاجرين على شبكات التهريب غير القانونية، مما أسهم في تسجيل 1,340 حالة وفاة في الطريق المركزي للبحر المتوسط خلال 2025.

جهود مكافحة شبكات تهريب البشر

تواصل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تعزيز جهود مكافحة شبكات تهريب البشر عبر البحر المتوسط من خلال برامج مشتركة للرقابة والمراقبة البحرية، ودعم عمليات البحث والإنقاذ، وتعزيز التعاون مع الدول الساحلية في شمال إفريقيا، ووفق تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أطلقت المنظمة حملات توعية وعمليات إنقاذ عاجلة استهدفت الحد من المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون أثناء عبور القوارب غير القانونية، كما أشار الاتحاد الأوروبي إلى أن وكالة فرونتكس الأوروبية لمراقبة الحدود نفذت خلال عام 2025 أكثر من 420 عملية بحرية مشتركة أسفرت عن إنقاذ آلاف المهاجرين وإحباط العديد من محاولات التهريب.

وتؤكد المنظمات الأممية أن هذه الجهود لا تقتصر على القبض على المهربين، بل تشمل تطوير برامج بديلة للوصول القانوني إلى أوروبا، وتقديم دعم للدول المتأثرة بالأزمات الإنسانية، بهدف حماية الأرواح ومنع استخدام البحر المتوسط كطريق قاتل للمهاجرين

تداعيات الأزمة الإنسانية

تنعكس هذه المأساة مباشرة على المجتمعات المتأثرة بأسرها، سواء في البلدان الأصلية للمهاجرين أو في البلدان التي يتم إنقاذهم فيها، ففي دول مثل ليبيا يتعرض المهاجرون لسوء معاملة وأعمال عنف قبل محاولاتهم العبور، فيما تواجه دول مثل إيطاليا واليونان ضغطاً متزايداً على مواردها الإنسانية والبحثية في عمليات الإنقاذ، وبحسب الأمم المتحدة فإن استمرار الأزمة دون بدائل فعّالة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر الإنسانية على المدى القريب والبعيد.

يبقى البحر الأبيض المتوسط شاهدًا على واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تكرارا منذ سنوات، إذ إن الأرقام الرسمية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة تُظهر استمرار خسائر الأرواح في رحلات البحث عن الأمل، وتشير هذه البيانات إلى أن التحدي لا يكمن فقط في تقليل عدد الوافدين، بل في خلق طرق قانونية وآمنة للهجرة واللجوء، والالتزام الكامل بتطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان وإنقاذ الأرواح قبل أن تتحول الممرات البحرية إلى مقابر رقمية لا تُحصى.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية