منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

معسكر إل باسو.. كيف تحوّلت مراكز احتجاز المهاجرين إلى أزمة حقوقية في عهد ترامب؟

03 أبريل 2026
احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة
احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة

بدأت أزمة مراكز احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة تأخذ أبعادا غير مسبوقة مع الكشف عن مخالفات جسيمة في أكبر معسكر احتجاز في مدينة إل باسو بولاية تكساس، في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى تضخم هائل في أعداد المحتجزين وارتفاع قياسي في الوفيات، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز نقلا عن مكتب مراقبة الاحتجاز التابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.

وكشف التقرير الرسمي الصادر عن مكتب مراقبة الاحتجاز التابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، بعد تفتيش استمر ثلاثة أيام في فبراير 2026 بتكليف من الكونغرس، عن تسجيل 49 مخالفة داخل منشأة كامب إيست مونتانا التي بلغت كلفتها 1.2 مليار دولار، وهو ما يعكس خللا هيكليا في تطبيق معايير الاحتجاز.

تصاعد غير مسبوق في أعداد المحتجزين

تظهر بيانات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية وإدارة الهجرة والجمارك أن عدد المحتجزين بلغ مستويات تاريخية، حيث تجاوز 68 ألف شخص في نهاية عام 2025، وهو أعلى رقم يتم تسجيله على الإطلاق، وفق تحليل نشرته صحيفة الغارديان استنادا إلى بيانات رسمية.

كما تشير بيانات مشروع الرقابة الحكومية إلى أن عدد المحتجزين بلغ 68440 شخصا في ديسمبر 2025 بزيادة تقارب 78 في المئة مقارنة بعام 2024، ما يعكس تسارع التوسع في سياسة الاحتجاز خلال فترة قصيرة، وفي مطلع 2026، ارتفع العدد إلى نحو 73 ألف محتجز، بزيادة تتجاوز 75 في المئة خلال عام واحد فقط، بحسب المجلس الأمريكي للهجرة.

ارتفاع معدلات الوفيات داخل الاحتجاز

تزامن هذا التوسع مع ارتفاع غير مسبوق في عدد الوفيات، حيث سجل عام 2025 ما لا يقل عن 31 حالة وفاة داخل مراكز الاحتجاز، وهو أعلى رقم خلال أكثر من عشرين عاما، وفقا لتحليل نشرته شبكة CBS نيوز لبيانات إدارة الهجرة والجمارك.

وتشير بيانات إضافية إلى أن العدد وصل إلى 32 حالة وفاة في العام نفسه، وهو ما أكدته تقارير صادرة عن أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي.

أما في عام 2026 فقد تم تسجيل 14 حالة وفاة حتى نهاية مارس فقط، ما يشير إلى اتجاه تصاعدي قد يتجاوز الرقم القياسي السابق، بحسب وكالة رويترز.

وتوضح بيانات تحليلية أن معدل الوفيات بلغ 5.6 حالة لكل عشرة آلاف محتجز في 2025، وهو أعلى معدل منذ جائحة كورونا، وفقا لتحليل CBS نيوز.

طبيعة الانتهاكات داخل معسكر إل باسو

كشف تقرير التفتيش أن 22 مخالفة تتعلق باستخدام القوة ووسائل التقييد، و11 مخالفة مرتبطة بأمن المنشأة، إضافة إلى خمس مخالفات في الرعاية الطبية، وهو ما يعكس تراجعا في المعايير الأساسية للاحتجاز، بحسب مكتب مراقبة الاحتجاز.

كما أشار مسؤولون أمريكيون إلى وجود مشكلات تتعلق بالمياه والغذاء والرعاية الصحية داخل المنشأة، وهو ما أثار انتقادات من أعضاء في الكونغرس، وفقا لوكالة رويترز.

سياسات الهجرة والتوسع في الاحتجاز

تأتي هذه التطورات في سياق سياسة موسعة تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب، تقوم على زيادة الاعتقالات وتوسيع الطاقة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، حيث تخطط الإدارة لرفع القدرة الاستيعابية إلى أكثر من 100 ألف محتجز.

كما تشير البيانات إلى تنفيذ أكثر من 328 ألف عملية اعتقال خلال فترة قصيرة من عام 2025، مع ترحيل أعداد مماثلة تقريبا، بحسب تحليل نشرته صحيفة “الغارديان” لبيانات إدارة الهجرة.

وتظهر بيانات حديثة أن نحو 42 في المئة من المحتجزين في 2026 لا يملكون سجلا جنائيا، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الاستهداف في سياسات الاحتجاز، وفقا لـ”واشنطن بوست”.

مواقف أممية وانتقادات حقوقية 

حذّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها لعام 2025 من أن التوسع في احتجاز المهاجرين تمهيدا لترحيلهم قد يؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان، داعية إلى استخدام الاحتجاز كملاذ أخير وليس كأداة أساسية لإدارة الهجرة.

كما شددت تقارير أممية على ضرورة ضمان الحق في الرعاية الصحية والمعاملة الكريمة داخل مراكز الاحتجاز، مع الالتزام بالمعايير الدولية التي تنص على احترام الكرامة الإنسانية.

انتقادات المنظمات الحقوقية

أكدت تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية خلال 2025 و2026 أن نظام الاحتجاز الأمريكي يعاني من مشكلات هيكلية، تشمل الاكتظاظ وضعف الرعاية الصحية وغياب الرقابة الكافية.

وأشار المجلس الأمريكي للهجرة إلى أن التوسع السريع في نظام الاحتجاز أدى إلى تدهور الظروف داخل المرافق، حيث تم إنشاء مراكز مؤقتة وخيام احتجاز تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

كما حذرت منظمات حقوقية من أن سياسات الاحتجاز المطول تحرم المحتجزين من حقهم في المثول أمام القضاء، ما يثير مخاوف بشأن الاحتجاز التعسفي.

الإطار القانوني الدولي

تخضع مراكز الاحتجاز في الولايات المتحدة لالتزامات قانونية دولية، أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص على ضرورة معاملة جميع المحتجزين بكرامة واحترام، كما تفرض اتفاقية مناهضة التعذيب التزامات على الدول لمنع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

تجدر الإشارة إلى أنه على المستوى الدولي، تعتمد دول مثل كندا ودول الاتحاد الأوروبي بشكل أكبر على بدائل الاحتجاز، مثل الإفراج المشروط أو المراقبة المجتمعية، وهو ما يقلل من الاعتماد على مراكز الاحتجاز طويلة الأمد.

في المقابل، تظهر البيانات أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أكبر على الاحتجاز كأداة رئيسية لإدارة الهجرة، مع توسع مستمر في البنية التحتية المرتبطة به.

الأبعاد الاقتصادية للأزمة

تشير التقديرات إلى أن تكلفة إنشاء وتشغيل مراكز الاحتجاز، مثل معسكر إل باسو الذي بلغت كلفته 1.2 مليار دولار، تمثل عبئا ماليا كبيرا على الحكومة الأمريكية، في ظل تزايد أعداد المحتجزين.

كما ترتبط هذه السياسات بعقود ضخمة مع شركات خاصة تدير بعض مراكز الاحتجاز، وهو ما يثير جدلا حول خصخصة هذا القطاع وتأثيرها على جودة الخدمات المقدمة.

يذكر أن نظام احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة توسعا تدريجيا منذ مطلع الألفية، لكنه تسارع بشكل ملحوظ بعد عام 2017، مع اعتماد سياسات أكثر تشددا تجاه الهجرة.

وخلال عام 2025، سجلت الولايات المتحدة واحدة من أعلى موجات الاعتقال والترحيل، في ظل ضغوط متزايدة على الحدود الجنوبية، خاصة من دول أمريكا اللاتينية.

كما تشير تقديرات إلى تسجيل مئات الوفيات المرتبطة بطرق الهجرة الخطرة، بما في ذلك نحو 200 حالة وفاة على الحدود الجنوبية خلال 2025، وفقا لبيانات نشرتها منصة  The American Prospect.

تكشف أزمة معسكر إل باسو عن صورة أوسع لنظام احتجاز يواجه ضغوطا متزايدة على المستويات الإنسانية والقانونية والسياسية، في ظل تضخم غير مسبوق في أعداد المحتجزين وارتفاع معدلات الوفيات.

وبينما تؤكد الحكومة الأمريكية أن هذه السياسات ضرورية لضبط الحدود، تتصاعد الدعوات الدولية لإعادة النظر في نهج الاحتجاز، والبحث عن بدائل أكثر إنسانية تضمن التوازن بين الأمن واحترام حقوق الإنسان.