بيتر سوالو*
على مدى سنوات، سعت مجموعة صغيرة لكنها شديدة الصخب من اليمين المتطرف على الإنترنت إلى استغلال العالم الكلاسيكي لتبرير رؤيتها السياسية المشوهة. وقد تناولت الباحثة في الدراسات الكلاسيكية دونا زوكربيرغ، شقيقة مؤسس “فيسبوك” مارك زوكربيرغ، هذه الظاهرة في كتابها الصادر عام 2018 بعنوان “ليس كل الرجال البيض الأموات” حيث شرحت كيف يحاول بعض كارهي النساء والأقليات توظيف الفلسفة اليونانية القديمة لإضفاء شرعية على أفكارهم العنصرية والإقصائية.
كان من المفترض أن يرحب هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم حراساً للتراث الكلاسيكي بفيلم ضخم يعيد تقديم واحدة من أعظم الملاحم الأدبية في التاريخ، خاصة أن فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان حظي بإشادة نقدية واسعة، وكان معظم من امتدحوه -كما أشارت كاثرين شوارد في صحيفة الغارديان- من الرجال.
فالفيلم مليء بالمعارك والمطاردات والإثارة، ويكاد يقدم مشهد قتال كل بضع دقائق، وهو من هذه الزاوية عمل مصمم ليتوافق مع أذواق هذا الجمهور تحديداً. ومع ذلك، كانت النتيجة عكس المتوقع.
فمنذ أشهر، وحتى قبل عرض الفيلم في دور السينما، انشغل كثير من المعلقين اليمينيين بمهاجمة ما وصفوه بـ”الصحوة” التي تسللت إلى العمل.
وجاء أكبر انتقاداتهم بسبب اختيار نولان للممثلة لوبيتا نيونغو، وهي امرأة سوداء، لتجسيد شخصية هيلين طروادة، رغم أن هيلين نفسها شخصية أسطورية بالكامل، قيل في إحدى الروايات إنها ابنة الإله زيوس، وفي روايات أخرى إنها خرجت من بيضة وضعتها بجعة، إلى جانب شقيقتها كليتمنسترا وشقيقيها اللذين تختلف الأساطير حول ما إذا كانا آلهة أم بشراً.
لذلك يصعب عليّ أن أتفهم كل هذا القلق المبالغ فيه بشأن “الدقة التاريخية”.
بل إن بعض المنتقدين ذهبوا إلى الاعتراض على تفاصيل مثل نوع الخوذ العسكرية المستخدمة في الفيلم، بحجة أنها لا تتوافق مع العصر البرونزي الذي تدور فيه الأحداث.
وبوصفي حاصلاً على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية، أعترف بأن خوذات كورنثوس بالفعل لا تنتمي إلى تلك الحقبة، لكن امتلاك شيء من المنطق وفهم طبيعة العمل الفني يجعلني غير معني بهذه التفاصيل.
وكان إيلون ماسك، كما هو متوقع، الأكثر صخباً بين المنتقدين، حتى إنه وصف نولان بأنه “عنصري معادٍ للبيض”، واقترح إنتاج نسخة جديدة من “الأوديسة” باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر منصة “غروك”، تكون -بحسب تعبيره- “وفية لهوميروس ودقيقة تاريخياً”، لكن، على الرغم من غرابة هذه التصريحات، فإنني أرى أن اليمين يهاجم الفيلم للأسباب الخطأ.
فإذا كان هناك ما يستحق أن يثير غضبهم فعلاً، فهو ليس لون بشرة إحدى الشخصيات، ولا نوع الخوذة التي يرتديها المحاربون، بل الرسالة الجوهرية التي يقدمها الفيلم حول مفهوم يوناني أصيل هو “زينيا”.
و”زينيا” التي يترجمها نولان إلى “قانون زيوس”، كانت مبدأً أخلاقياً ينظم كيفية معاملة الغرباء والضيوف في المجتمع اليوناني القديم.
وهذا المفهوم ليس اختراعاً سينمائياً، بل يمثل أحد الأعمدة الأساسية في ملحمة هوميروس نفسها.
وعندما كنت أدرّس الأوديسة لطلاب المرحلة الثانوية، كان هذا المفهوم من أوائل الدروس التي أحرص على شرحها؛ لأنه يحدد الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها الشعوب والثقافات المختلفة مع بعضها بعضاً.
ففي الملحمة، كما في الفيلم، يُعاقَب من ينتهك “قانون زيوس” مثل العملاق سيكلوب، ويكافأ من يلتزم به مثل تيليماخوس بن أوديسيوس.
غير أن معالجة نولان لهذا المفهوم جاءت معاصرة بوضوح.
فأنا أراه استعارة للنظام الدولي القائم على القواعد، ذلك النظام الذي يتعرض اليوم لتحديات متزايدة، سواء بسبب تقويض سيادة الدول، أو تهديد قواعد الملاحة الدولية، أو ازدراء بعض القوى الكبرى لفكرة التعاون متعدد الأطراف في ملفات التجارة والدفاع والمناخ.
وفي المشهد الختامي للفيلم -مع الاعتذار لمن لم يشاهده بعد- يرى أوديسيوس وبينيلوبي حضارتهما الإغريقية وهي تنهار بالكامل.
وهذا يستند إلى حدث تاريخي حقيقي هو انهيار الحضارة الميسينية، لكن نولان يربط هذا الانهيار بانتهاك “قانون زيوس”، بعدما تحولت شعوب البحر إلى الغزو والحروب وكسر القواعد التي تحفظ النظام.
والرسالة هنا واضحة تماماً بالنسبة إلى جمهور اليوم.
فالمجتمعات، في رأيه، تنهار عندما تتخلى عن النظام الدولي القائم على القواعد والمؤسسات.
وإذا كان الفيلم يوصف بأنه “صحوي”، فليس بسبب التنوع في اختيار الممثلين، بل لأنه يدافع، في جوهره، عن قيمة التعاون الدولي والعمل متعدد الأطراف في زمن يتجه أكثر فأكثر نحو القومية والانغلاق.
ويبدو أن ماسك ومن يشاركونه هذه الحملة لم يدركوا هذه الرسالة أصلاً.
وهذا، في رأيي، هو السبب الحقيقي الذي ينبغي أن يدفعهم إلى رفض الفيلم.
فهو يقف في مواجهة المشروع الفكري الذي يتبناه اليمين المتشدد، ويؤكد أن الدبلوماسية الدولية ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل شرط أساسي لاستمرار الحضارة الإنسانية.
صحيح أن هذه القراءة ليست موجودة حرفياً في نص هوميروس الأصلي، لكن فيلم نولان ليس إعادة إنتاج حرفية، بل إعادة تخيل معاصرة للملحمة.
وهذه هي طبيعة الأعمال الكلاسيكية.
فلا أحد يمتلك الحق الحصري في تفسيرها، أو احتكار روايتها، أو منع إعادة قراءتها قراءة تتناسب مع كل عصر.
العالم القديم ليس ملكاً لأحد.
وبالتأكيد، ليس ملكاً لإيلون ماسك.
*نقلاً عن الجارديان
