منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

980 ألف ضحية في عام

قوانين غائبة وحقوق مهدرة.. النساء تواجهن معركة ضد العنف في المغرب

06 أبريل 2026
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق المرأة في المغرب
احتجاجات ضد انتهاكات حقوق المرأة في المغرب

أُعيد إطلاق أشغال اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء ضحايا العنف بالرباط برئاسة فتيحة اشتاتو في خطوة تؤكد اهتمام الدولة بتفعيل آليات مكافحة العنف ضد المرأة وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، في ظل استمرار الانتشار المقلق لهذه الظاهرة التي تراوح بين العنف النفسي والجسدي والاقتصادي، وفق ما أعلنته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المغربية.

اللجنة الوطنية وآليات المواجهة

تُعد اللجنة الوطنية آلية مؤسساتية دائمة تم تأسيسها تفعيلًا لمقتضيات القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء ومرسومه التطبيقي، وتهدف إلى تنسيق الخدمات على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، من خلال التكامل بين الوزارات والنيابة العامة والسلطات الأمنية والمجتمع المدني وغيرها من الفاعلين المعنيين بقضايا العنف الأسري والمجتمعي في المغرب.

وتضم اللجنة في عضويتها ممثلين عن قطاعات العدل، والداخلية، والصحة، والتربية، والتعليم العالي، والنيابة العامة، والمديرية العامة للأمن الوطني، والقيادة العليا للدرك الملكي، من بين مؤسسات حكومية أخرى تعمل على توحيد الاستجابة للنساء ضحايا العنف، بما يشمل الحماية القانونية والدعم الاجتماعي والنفسي.

انتشار العنف وأشكاله في المغرب

تشير الأبحاث الوطنية إلى أن العنف ضد النساء في المغرب ظل ينتشر بمعدلات مرتفعة خلال العقد الأخير، إذ أظهرت دراسة تحليلية أن نسبة النساء اللاتي تعرضن لشكل من أشكال العنف في فترة حياتهن تجاوزت 50 في المئة بين عامي 2009 و2020، مع تباين في أشكال العنف بين النفسي والجسدي والاقتصادي، وهو ما يعكس استمرار تحديات ثقافية واجتماعية مرتبطة بتمكين المرأة ومناهضة التمييز.

وفي تقرير صادر عام 2025 عن شبكات منظمات المجتمع المدني، تم تسجيل نحو 980.28 ألف حالة عنف ضد النساء في المغرب بين يوليو 2024 ويونيو 2025، صنفت فيها العنف النفسي أعلى نسبة من الحالات (47 في المئة)، تلاه العنف الاقتصادي والاجتماعي بنسبة 23 في المئة.

الإبلاغ والدعم خلال 2025

أظهرت إحصاءات رسمية أن الخط الأخضر (1899) الخاص بالإنصات والإرشاد وتوجيه النساء ضحايا العنف تلقى 7397 إشعارًا خلال عام 2025، منها 4485 إشعارا متعلقا بالعنف ضد المرأة، مما يشير إلى توجه عدد أكبر من الضحايا لطلب المساعدة، لكنه أيضًا يبرز استمرارية وجود حالات لا تزال غير معروفة أو لم يتم التبليغ عنها بعد.

وتشكل هذه البيانات مؤشرا على ارتفاع مستوى الوعي لدى الضحايا وأسرهن بشأن الخدمات المتاحة، وعلى التوترات الاجتماعية المتواصلة التي تدفع بالنساء نحو طلب الدعم والنصيحة.

أثر العنف على المجتمع

وتوضح المؤشرات الوطنية إلى أن العنف النفسي يميل إلى أن يكون الشكل الأكثر انتشارًا، فيما تبقى العنف الجسدي أقل نسبيا، لكن تأثيره على الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية للنساء ضحايا العنف عميقًا، ما يتطلب دعم خدمات نفسية ومجتمعية موسعة، وفق التحليل الوطني للبيانات المتاحة لسنوات سابقة والتي تبرز استمرار هذه الأنماط بكثافة.

دور اللجنة الوطنية في سياق التشريعات

تأسست اللجنة الوطنية في سياق الرغبة في تفعيل التشريعات الوطنية المناهضة للعنف، ومن بينها القانون 103.13 الذي أُقر لتوفير إطار قانوني خاص بحماية النساء وتحديد أشكال العنف والعقوبات والإجراءات المتعلقة به، كما وضع آليات التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لمنع وتقديم الدعم للضحايا.

وتأتي هذه المبادرة في سياق جهود أوسع لتعزيز سيادة القانون وتنفيذ التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، في ظل توجيهات دستورية ودولية لضمان حماية النساء من جميع أشكال العنف.

التحديات البنيوية وأوجه القصور

رغم التطور التشريعي وتفعيل آليات التنسيق، تواجه المنظومة الوطنية عدة تحديات، أبرزها فجوة التنفيذ بين النصوص القانونية والواقع الميداني، خاصة في المناطق الريفية والنائية حيث تظل الخدمات ضعيفة أو غير متاحة بشكل كافٍ، ما يؤدي إلى استمرار ظاهرة العنف دون معالجة فعالة.

ويرتبط العنف ضد النساء بعوامل ثقافية واجتماعية عميقة تجعله غير ظاهر بالكامل في الإحصاءات الرسمية، إضافة إلى وجود عوائق أمام التبليغ قد تكون مرتبطة بالخوف من الوصمة أو عدم الثقة في فاعلية الإجراءات القانونية بحسب وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المغربية.

تداعيات اجتماعية وتنموية

العنف ضد المرأة لا يؤثر فقط على الضحايا مباشرة، بل يمتد إلى الأسرة والمجتمع ككل، من خلال ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والاجتماعية وخسائر الإنتاجية، فضلاً عن عواقبه النفسية الطويلة الأمد على الأطفال والأسر، وهو ما يدفع منظري السياسات إلى الدعوة لتعزيز الوقاية وبرامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي كي تكون الاستجابة أكثر شمولًا.

الاستجابة الدولية والحقوقية

تلعب منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية دورا محوريا في دعم جهود المغرب لمكافحة العنف ضد النساء وتعزيز تكفل اللجنة الوطنية بالضحايا، فعلى الصعيد الدولي، تبرز الأمم المتحدة للمرأة التي تدعو إلى تطوير برامج الوقاية والدعم القانوني والاجتماعي للنساء ضحايا العنف، وتعزز التعاون بين الحكومات والمنظمات المحلية، كما تعمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان على رصد الانتهاكات وتقديم التوصيات اللازمة لتحسين سياسات الحماية، بينما تسلط منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش الضوء على الانتهاكات وتدعو إلى تنفيذ التشريعات المعتمدة وتوسيع الشراكات بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني لضمان وصول الدعم إلى كل الفئات المتضررة.

كما تدعم مؤسسات مثل مجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي اللجنة الوطنية من خلال برامج مشتركة لإصدار التقارير والتوعية وتطوير الأدلة الميدانية، بما يعزز نشر الوعي حول القانون 103.13 وطرق التكفل بالنساء ضحايا العنف

وعلى الصعيد المحلي، تسهم منظمات مثل الجمعية الديمقراطية للنساء المغربيات والهيئة المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان وجمعية حماية ودعم الضحايا في تقديم الدعم المباشر للنساء، ورصد الحالات، والتوعية بحقوق المرأة، مع التركيز على تعزيز التنسيق مع السلطات الحكومية لضمان تكامل الخدمات وتحقيق فاعلية أكبر في حماية الضحايا، وتؤكد هذه المنظمات على أهمية جمع البيانات الدقيقة ومراقبة التقدم الميداني لتحديد الثغرات والمناطق التي تحتاج إلى تعزيز، ما يسهم في بناء منظومة متكاملة للوقاية والحماية وإعادة التأهيل للنساء المتضررات.

ترجع الخطوات الفعلية نحو مكافحة العنف ضد المرأة في المغرب إلى إصدار القانون 103.13 عام 2018، الذي مثل نقلة في الإطار القانوني الوطني لمناهضة العنف ضد النساء عبر تعريف واضح للأشكال والعقوبات وآليات التدخل، كما أفضى إلى إنشاء اللجنة الوطنية وآليات للتنسيق بين الجهات، وفق وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة المغربية.

وبينما يشكل تفعيل عمل اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء ضحايا العنف خطوة مهمة في سياق مكافحة انتهاكات واسعة النطاق، فإن البيانات والإحصاءات المتعلقة بعام 2025 تكشف أن العنف ضد المرأة لا يزال تحديا مستمرا يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الدعم القانوني والخدمات الاجتماعية والوقاية والتنمية المجتمعية، مع ضمان استمرارية المراقبة والتقييم لضمان تحقيق تغيير حقيقي ومستدام.