منذ قمع احتجاجات أبريل 2018، لم تعد أزمة الصحافة في نيكاراغوا مجرد ملف من ملفات التراجع الديمقراطي، بل أصبحت أحد أكثر وجوه الحكم وضوحاً، فالتقارير الأممية والحقوقية تتحدث عن تفكيك شبه كامل للمشهد الإعلامي المستقل داخل البلاد، بحيث باتت الصحافة الناقدة تعمل إلى حد بعيد من المنفى، بينما يُدار الداخل عبر المراقبة والترهيب والمصادرة والتجريم.
وفي مؤشر رمزي على حجم الأزمة، صنفت منظمة “مراسلون بلا حدود” نيكاراغوا في المرتبة الـ172 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، ووصفتها بأنها الأسوأ في أمريكا الوسطى.
وتعود نقطة التحول الحاسمة إلى 2018، حين اندلعت الاحتجاجات الواسعة ضد الحكومة، وتعرض الصحافيون الذين غطوها للاعتقال والملاحقة، بينما قُتل الصحفي أنخيل غاهونا أثناء تغطية الأحداث.
لجنة حماية الصحفيين قالت في تقريرها الصادر في يناير 2026 إن الأزمة الإعلامية الحالية هي امتداد مباشر لذلك القمع، وإن ما لا يقل عن 268 صحفياً نيكاراغوياً فروا إلى المنفى، كثير منهم إلى كوستاريكا، هرباً من “نظام ترهيب سياسي ومضايقة قضائية” مدعوم من الدولة.
هذا النزوح الإعلامي لم يأتِ من فراغ، فبحسب “مراسلون بلا حدود” في تقريرها المنشور في 16 أبريل 2025، أغلقت الحكومة النيكاراغوية أو صادرت أكثر من 60 وسيلة إعلامية منذ 2018، وجرّمت التغطية المستقلة، واتهمت الصحفيين بـ“التآمر” أو “نشر معلومات كاذبة”.
وقالت “مراسلون بلا حدود” إن أربعة صحفيين اعتقلوا خلال الأشهر الاثني عشر السابقة لنشر التقرير، وإن مصير ثلاثة منهم ظل مجهولاً في ذلك الوقت.
قمع وسائل الإعلام
القمع الإعلامي في نيكاراغوا لا يقوم على وسيلة واحدة، بل على منظومة متكاملة، هناك أولاً الإغلاق والمصادرة، كما حدث مع “كونفيدنسيال” و“100% Noticias” و“لا برينسا”.
ووفق اليونسكو، فإن صحيفة La Prensa، التي فازت في 3 مايو 2025 بجائزة اليونسكو/غييرمو كانو لحرية الصحافة، تواصل العمل من المنفى منذ 2021 بعد سجن مسؤوليها ومصادرة أصولها، بينما توزع فريقها بين كوستاريكا وإسبانيا والمكسيك وألمانيا والولايات المتحدة.
وهناك التجريم القانوني، مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أشار في تقريره المعروض على مجلس حقوق الإنسان في 2025 إلى أن القمع طال الصحفيين ووسائل الإعلام بشكل مباشر، وأن 17 شخصاً على الأقل خضعوا للملاحقة بموجب قانون الجرائم الإلكترونية بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد الحكومة.
وأشارت تقارير متخصصة إلى أن تعديل هذا القانون وتوسيعه سمح بتجريم محتوى منشور حتى من خارج البلاد، وهو ما زاد الضغط على الإعلاميين في الداخل والمنفى معاً.
وهناك المراقبة الرقمية والهجمات الإلكترونية، فتقرير “الحرية على الإنترنت 2024″، الصادر عن فريدوم هاوس قال إن حرية الإنترنت في نيكاراغوا واصلت التراجع، وإن المنابر المستقلة بقيت عرضة لهجمات إلكترونية منذ احتجاجات 2018، بما في ذلك هجمات حرمان من الخدمة والاختراقات.
وأورد التقرير أمثلة على تعرض منافذ مثل Radio Camoapa وConfidencial وBacanalNica و100% Noticias لهجمات أو محاولات اختراق.
قمع عبر الحدود
استهداف الصحفيين في 2025 و2026 لم يعد يتوقف عند الحدود، حيث قالت لجنة حماية الصحفيين في تقريرها عن الصحفيين المنفيين إن بعض الإعلاميين النيكاراغويين الذين لجؤوا إلى كوستاريكا لا يشعرون بالأمان هناك أيضاً، بسبب ما وصفوه بأساليب “إقناع قسري وإكراه وضغط نفسي” تستهدفهم حتى خارج البلاد، وبسبب خوفهم المستمر على أسرهم في الداخل.
وتحدث التقرير عن صحفيين غيّروا روتينهم اليومي وقلصوا ظهورهم العلني ولجأوا إلى تطبيقات مشفرة خوفاً من التعقب.
هذا البعد العابر للحدود أكده أيضاً فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بنيكاراغوا، ففي 23 سبتمبر 2025 قال الخبراء إن الحكومة توسع قمعها إلى خارج البلاد لاستهداف معارضين ومواطنين في المنفى.
وفي 10 مارس 2026 قال الفريق إن الحكومة تمول القمع عبر تحويلات غير مشروعة من المال العام، وتستخدم شبكة استخبارات ومراقبة عابرة للحدود لملاحقة المنتقدين، وهو ما يشمل البيئة الإعلامية المنفية.
المنفى لم يعد استثناءً
بفعل هذا الواقع، تحوّلت الصحافة النيكاراغوية إلى صحافة منفى بدرجة كبيرة، “مراسلون بلا حدود” قالت في أبريل 2025 إن “الصحافة في المنفى هي آخر معقل متبقٍ للحرية” في نيكاراغوا.
وأشارت اليونسكو، عند منحها جائزة حرية الصحافة لـLa Prensa في مايو 2025، إلى أن الصحيفة تواصل العمل من الخارج مع معظم فريقها في المنفى، بوصفها نموذجاً لصمود الصحافة النيكاراغوية رغم القمع.
لكن هذا التحول له كلفة مهنية واقتصادية كبيرة، لجنة حماية الصحفيين، قالت إن كثيراً من وسائل الإعلام في المنفى تعتمد على تمويل خارجي هش، وإن خفض أو اضطراب بعض مصادر التمويل الدولية زاد من هشاشة غرف الأخبار النيكاراغوية العاملة من الخارج.
أزمة أعمق من الرقابة
تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” لعامي 2025 و2026 تحدثت عن “أساليب منهجية من الرقابة والاضطهاد” ضد المنتقدين، بما في ذلك الإعلام.
وقالت المنظمة إن التعديلات الدستورية الواسعة في 2025 زادت تركيز السلطة بيد أورتيغا وموريو، وهو ما يجعل أي حديث عن حماية قانونية حقيقية للصحافة أكثر صعوبة.
وفي 10 يوليو 2025 أعربت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان عن قلقها من انتهاكات جديدة للحق في الجنسية والحريات الأساسية في نيكاراغوا، مشيرة إلى أن الإصلاحات الدستورية لم توفر ضمانات للحقوق الأساسية.
ومع أن البيان لم يقتصر على الصحافة، فإنه يندرج ضمن سياق أوسع تُسحب فيه الحماية عن كل أشكال التعبير المستقل، بما فيها العمل الإعلامي.
موقف المنظمات الدولية والحقوقية
المواقف الدولية في 2025 و2026 كانت شديدة الوضوح، حيث اعتبرت اليونسكو منحها جائزة 2025 لصحيفة La Prensa تكريماً “لجهودها الشجاعة في نقل الحقيقة إلى الشعب النيكاراغوي”، وقالت إن الصحيفة واجهت “قمعاً شديداً” وأُجبرت على المنفى.
أما الاتحاد الأوروبي، ففي بيانه أمام مجلس حقوق الإنسان في 16 مارس 2026، فقال إنه يشعر بقلق بالغ إزاء ما توصل إليه فريق خبراء الأمم المتحدة عن القمع العابر للحدود والأبعاد الجندرية للقمع في نيكاراغوا، وهو موقف ينسحب عملياً على البيئة التي يعمل فيها الصحافيون أيضاً.
كما دعا البرلمان الأوروبي في 13 فبراير 2025 إلى إلغاء “القوانين الشمولية القمعية” واحترام التزامات نيكاراغوا الحقوقية.
ولم يكن موقف المنظمات المهنية أقل حدة؛ لجنة حماية الصحفيين شاركت في 7 مايو 2025 بدعوة نيكاراغوا إلى التراجع عن قرار الانسحاب من اليونسكو، قائلة إن الانسحاب جاء بعد منح جائزة حرية الصحافة لـLa Prensa، وذكرت اللجنة أن أورتيغا اتهم اليونسكو بمهاجمة “الهوية الوطنية” لنيكاراغوا.

