لم تعد أزمة التلوث في مدينة قابس التونسية، مجرد ملف بيئي عالق، بل تحولت إلى مسألة حياة يومية تمس الهواء والماء والصحة والعمل والكرامة، فالمدينة الساحلية، التي كان يفترض أن تستفيد من موقعها بين البحر والواحات، أصبحت بالنسبة إلى كثير من سكانها مثالًا حيًا على كيف يمكن لصناعة ثقيلة أن تعيد تشكيل المجال والحياة معًا، بحيث يصبح التنفس نفسه موضوع شكوى واحتجاج دائمين.
وفي أكتوبر وديسمبر 2025، عادت قابس إلى الواجهة بعد احتجاجات واسعة طالبت بإغلاق أو تفكيك الوحدات الملوّثة للمجمع الكيميائي التونسي، فيما قالت وكالة رويترز، إن السكان يربطون بين الانبعاثات السامة وارتفاع الأمراض التنفسية وتراجع الثروة البحرية.
تاريخ الأزمة طويل؛ مجمع قابس الكيميائي، التابع للمجمع الكيميائي التونسي GCT، أُنشئ في سبعينيات القرن الماضي لمعالجة الفوسفات وإنتاج الحامض الفسفوري والأسمدة. ومنذ ذلك الحين، تراكمت آثار نشاطه قرب المدينة والساحل والواحات.
رويترز نقلت في أكتوبر 2025 أن السلطات كانت قد تعهدت في 2017 بتفكيك مجمع قابس واستبداله بمنشأة تستجيب للمعايير الدولية، بعد إقرار رسمي بخطورة انبعاثاته على السكان، لكن الخطة لم تُنفذ حتى الآن.
وفي الاتجاه المعاكس، أشارت الوكالة نفسها إلى أن الحكومة لا تزال ترى الفوسفات موردًا اقتصاديًا حيويًا وتخطط لزيادة الإنتاج، وهو ما يعمّق شعور الأهالي بأن صحة المدينة تُوضع في مواجهة حسابات الاقتصاد الوطني.
مقاربة إصلاحية بطيئة
السلطات التونسية نفسها لم تعد تنكر ثقل الأزمة، لكنها لا تزال تتعامل معها عبر مقاربة إصلاحية بطيئة أكثر من كونها حاسمة.
ونقلت وكالة الأنباء التونسية الرسمية في مارس 2026 عن المدير العام للمجمع الكيميائي بقابس أن العمل جارٍ على إعداد رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح وتطوير القطاع، لا على غلق فوري للمجمع.
كما أفادت الوكالة التونسية في نوفمبر 2025 بأن وزارة الصناعة دعت المؤسسات المعنية إلى إيداع دراسة إزالة التلوث قبل موفى 2025، وهو ما يعكس اعترافًا رسميًا بالمشكلة، لكنه يؤكد أيضًا أن المقاربة الحكومية ما زالت تدور حول التخفيف والمعالجة لا حول إنهاء مصدر التلوث جذريًا.
وعلى الأرض، يترجم هذا التأخر الرسمي إلى غضب اجتماعي متكرر، ففي ديسمبر 2025، ذكرت رويترز أن نحو 2,500 شخص خرجوا في قابس في احتجاجات جديدة ضد التلوث الصادر عن المجمع الكيميائي، مرددين شعارات تطالب بتفكيك الوحدات الملوّثة.
وأضافت أن هذه الموجة تجددت بعد أشهر من حالات اختناق بين تلاميذ، إذ قالت إن مئات التلاميذ عانوا صعوبات في التنفس في الأشهر السابقة، على خلفية أبخرة يُعتقد أنها سامة، كما نقلت عن محتجين وصفهم المصنع بأنه “جريمة مكتملة الأركان” ورفضهم “توريث الكارثة البيئية لأطفالهم”.
اقتحام المنشأة ومطالبات بإغلاقها
وفي أكتوبر 2025، وصل الاحتقان إلى مستوى أعلى، حيث قالت رويترز إن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين قرب مقر المجمع في قابس بعد اقتحام المنشأة والمطالبة بإغلاقها، وإن الرئيس قيس سعيّد وصف ما تعيشه الجهة بأنه “اغتيال بيئي” ناتج عن خيارات قديمة.
واللافت أن هذا التوصيف الرئاسي، رغم قوته، لم يقترن حتى الآن بحسم نهائي لمسألة الإغلاق أو النقل، بل جاء ضمن حديث عن إصلاحات وصيانة وإرسال وفود فنية، وهو ما لم يهدئ احتجاجات السكان الذين باتوا يعتبرون الحلول الجزئية غير كافية.
وتدعم الأرقام البيئية الرسمية جزءًا مهمًا من هذا الغضب؛ ففي التقرير الوطني حول وضعية البيئة والتنمية المستدامة الصادر عن وزارة البيئة، سُجلت في قابس خلال سنة 2023 125 حالة تجاوز للمعدلات اليومية الخاصة بالجزيئات العالقة PM10، وهي أعلى بكثير من الأرقام المسجلة في بعض المدن الأخرى المذكورة في التقرير.
وأشار التقرير نفسه إلى أن أعلى معدل سنوي لثاني أكسيد الكبريت سُجل في قابس، مرجعًا ذلك إلى كثافة المنشآت الصناعية في المنطقة، وتحدث التقرير عن برامج ومشاريع مطلوبة أو جارية تشمل تقييم تأثير تلوث الهواء على الصحة بمدينة قابس، ومراقبة الجسيمات العالقة والمعادن الثقيلة الصادرة عن الأنشطة الصناعية، وإنجاز خارطة ومنصة رقمية لمتابعة مؤشرات الهواء والصحة في المدينة.
هذه المعطيات الرسمية لا تقول فقط إن السكان يشعرون بالتلوث، بل إن الدولة نفسها تقر بوجود عبء تلوثي استثنائي يستدعي الرصد والتقييم الصحي.
خطورة البعد المائي
وأشار المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الماء والصرف الصحي، بعد زيارته إلى تونس، إلى أن الوضع في منطقة قابس-جفارة يثير القلق، لأن الاستخدام المكثف للمياه في المعالجة الصناعية للفوسفات منذ سبعينيات القرن الماضي أدى إلى جفاف مصادر المياه، وأن الواحة الطبيعية والثقافية في قابس آخذة في الاختفاء.
كما حذّر من أن إعطاء الأولوية الفعلية لاستخدامات المياه المرتبطة بقطاعات إنتاجية قوية يعرّض الحقوق في مياه الشرب والصرف الصحي للخطر، مؤكدًا أن ندرة المياه لا تبرر الإخلال بهذه الحقوق.
وينقل هذا التشخيص الأممي الأزمة من نطاق التلوث الصناعي الضيق إلى نطاق أوسع يمس العدالة البيئية والحق في الموارد الأساسية.
وزارة البيئة نفسها تقر في تقاريرها بأن خليج قابس من بين المناطق البحرية التونسية المتضررة من التلوث، كما يورد التقرير الوطني أن النفايات البحرية تشكل عبئًا ملحوظًا في الخليج وأن البلاستيك يمثل الجزء الأكبر من تلك النفايات في بعض القياسات.
وفي تقارير أقدم للبنك الدولي حول قابس ورد أن التلوث الناتج عن التنمية الاقتصادية في الجهة يُعد من الأسباب التاريخية الرئيسية لتراجع التنوع البيولوجي البحري في المنطقة، وهذا يفسر لماذا يربط الصيادون والنشطاء بين المجمع الكيميائي وبين تدهور الثروة السمكية وانكماش مصدر رزق تاريخي كان جزءًا من هوية قابس الساحلية.
الحق في بيئة سليمة
ومن الناحية الحقوقية، لا تبدو القضية رمادية، فالدستور التونسي ينص صراحة على أن الدولة تضمن الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، وأن عليها توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي، كما تنص المادة الخاصة بالماء على التزام الدولة بتوفيره للجميع على قدم المساواة.
وعلى المستوى الدولي، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 76/300 لعام 2022 بأن الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة هو حق من حقوق الإنسان، بينما كان مجلس حقوق الإنسان قد اعترف به قبل ذلك في 2021.
وهذا يعني أن ما يطالب به سكان قابس اليوم لا يندرج في باب الرفاه أو المطالب الثانوية، بل يتصل مباشرة بحقوق دستورية وإنسانية معترف بها وواجبات على الدولة في منع التلوث لا مجرد إدارته.
لكن المفارقة في قابس أن الاعتراف الرسمي لا يزال يصطدم بمنطق اقتصادي ثقيل، رويترز أوضحت أن الحكومة التونسية تنظر إلى الفوسفات على أنه أحد أهم الموارد الطبيعية للبلاد، في وقت تعاني فيه تونس أزمة مالية واقتصادية عميقة.
ولهذا تبدو المدينة كأنها عالقة بين حقيقتين: دولة تقول إن الفوسفات ركيزة اقتصادية، وسكان يقولون إن هذا الاقتصاد يقوم على استنزاف صحتهم وبيئتهم.
وبين الاثنين، تتحول قابس إلى نموذج صريح لما تسميه أدبيات حقوق الإنسان “العبء غير المتكافئ للتلوث”.. منطقة بعينها تدفع الكلفة الصحية والبيئية لصناعة وطنية لا تتوزع منافعها وأضرارها بالتساوي.
مكان للتنفس والعيش
إنسانيًا، تبدو الأزمة أكثر قسوة حين تُروى من منظور الحياة اليومية، ليست المشكلة فقط في أرقام التلوث أو التقارير الرسمية، بل في أن سكان قابس يعيشون حالة يقين مرهقة بأن مدينتهم لم تعد مكانًا طبيعيًا للتنفس والعيش.
رويترز نقلت عن أحد المحتجين قوله إن قابس صارت “مدينة موت” وإن الناس “يعانون كي يتنفسوا”، بينما تحدث آخرون عن الخوف من توريث هذه الكارثة لأطفالهم.
وحتى لو كانت هذه الشهادات ذات طابع شخصي، فإنها تكسب وزنًا أكبر حين توضع بجانب ما تقوله التقارير الرسمية عن تركز الملوثات، وما تقوله الدولة عن الحاجة إلى دراسات صحية خاصة بقابس، وما يقوله المقرر الأممي عن جفاف الموارد المائية واختفاء الواحة.
وفي النهاية، لا تبدو قضية قابس نزاعًا محليًا محدودًا بين مصنع وسكان، بل اختبارًا فعليًا لقدرة الدولة التونسية على التوفيق بين الاقتصاد والحق في الحياة الكريمة.

