منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في قلب معركة ألبرتا.. السكان الأصليون يطعنون في استفتاء يهدد حقوقهم التاريخية

08 أبريل 2026

تقدمت قبيلة “ستورجون ليك كري” بطلب أمام القضاء الكندي، ما يعد اختباراً قانونياً مباشراً لحدود الاستفتاءات الشعبية عندما تتقاطع مع حقوق السكان الأصليين والمعاهدات الدستورية، في قضية تعيد فتح النقاش حول السيادة والعدالة التاريخية في مقاطعة ألبرتا.

وتسجل قبيلة “ستورجون ليك كري” خطوة قضائية حاسمة عندما تطلب من المحكمة وقف عريضة تهدف إلى طرح استفتاء حول انفصال ألبرتا عن كندا، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً مباشراً لحقوقها المنصوص عليها في المعاهدات.

وتستند القبيلة في دعواها إلى أن أي مسار نحو الانفصال دون مراعاة التزامات المعاهدة رقم 8 التي وقعتها الأمم الأولى مع التاج عام 1899، يعد إخلالاً قانونياً لا يمكن تجاهله.

وتنسب الدعوى إلى قبيلة ستورجون ليك كري قولها إن التعامل مع أراضيها تم وكأنها مجرد “فكرة ثانوية في مفاوضات قسرية”، مؤكدة أنه “ليس لألبرتا أي حق في الانفصال.. ولا أي حق في الاستيلاء على أراضي المعاهدة رقم 8″، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

وتتابع مجموعة “ابقوا أحراراً يا ألبرتا” جمع التوقيعات المطلوبة لإجراء الاستفتاء، حيث بلغت نحو 177732 توقيعاً، وهو رقم يقترب من الحد الأدنى المطلوب.

وتمضي الحملة في محاولة إدراج سؤال واضح يتعلق بانفصال المقاطعة، إلى جانب أسئلة أخرى تتعلق بالهجرة والرعاية الصحية والدستور، في استفتاء ينتظر عقده في أكتوبر.

وتستند الحملة إلى حالة من الاستياء داخل بعض الأوساط في ألبرتا التي ترى أن المقاطعة تعاني من نظام المدفوعات الفيدرالية وعدم الاستفادة الكاملة من مواردها النفطية، وهو خطاب وظفه الانفصاليون لتعزيز حملتهم.

التعديلات القانونية

تتواصل التداعيات القانونية مع تغييرات أجرتها حكومة ألبرتا، حيث خفضت رئيسة الوزراء دانييل سميث عدد التوقيعات المطلوبة من 588 ألفاً إلى حوالي 178 ألفاً، وأعادت صياغة آليات الاستفتاءات الشعبية.

تشير هذه التعديلات إلى أن الاستفتاءات قد تتضمن أسئلة تتعارض مع الدستور الكندي، وهو ما يثير مخاوف قانونية أعمق حول مدى توافق هذه الإجراءات مع الإطار الدستوري.

توضح الإجراءات أيضاً أن هيئة الانتخابات في ألبرتا باتت مسؤولة عن التحقق من صحة التوقيعات وفقاً لقانون المبادرات الشعبية رقم 14، في خطوة تعيد توزيع الصلاحيات داخل النظام الانتخابي المحلي.

المعاهدة رقم 8

تؤكد قبيلة “ستورجون ليك كري” أن المعاهدة رقم 8 التي وقعت عام 1899 لا تزال ملزمة قانونياً، وأن أي تغيير جذري في وضع المقاطعة، مثل الانفصال، يجب أن يأخذ هذه الالتزامات في الاعتبار.

تنسب القبيلة إلى رئيسها شيلدون سانشاين قوله إن “ألبرتا لم تكن حتى مقاطعة عند توقيع هذه المعاهدات”، في إشارة إلى أن أي إعادة تشكيل للسيادة السياسية يجب أن تشمل موافقة أصحاب الحقوق الأصلية.

وتجادل القبيلة بأن حكومة ألبرتا، عبر دعمها للتشريعات الجديدة، “انتهكت عن علم وتهور” حق المجتمع في الموافقة، معتبرة أن هذه الخطوات تقوض الأساس القانوني للمعاهدة.

تحديات أمام الاستفتاء

تواصل القضية مسارها أمام القضاء الكندي، حيث تنظر محكمة كينغز بنش في الدعوى، في جلسات استماع من المتوقع أن تستمر لعدة أيام، مع تركيز على مدى دستورية إجراءات الاستفتاء.

تطالب القبيلة المحكمة بإيقاف العريضة وإعادة الالتزام بالقواعد التي تضمن توافق المبادرات الشعبية مع الدستور، إضافة إلى تعويضات مالية تصل إلى 250 ألف دولار لتغطية التكاليف القانونية.

وتوضح مصادر قانونية أنه حتى في حال نجاح الحملة في جمع التوقيعات، فإن المسار القانوني قد يستغرق سنوات إذا ما مضى الانفصال قدماً، ما يعكس تعقيد الملف.

البعد الجيوسياسي

تحذر القبيلة من أن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام تأثيرات خارجية، مشيرة إلى أن أي تصويت على الانفصال قد يتيح “التدخل الأجنبي من أقوى دولة في الجنوب”، في إشارة إلى الولايات المتحدة.

وتلفت هذه المخاوف إلى أبعاد تتجاوز الشأن الداخلي، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع مخاطر سياسية وجيوسياسية أوسع.

كما تشير تقارير إلى أن بعض نشطاء الانفصال عقدوا لقاءات مع مسؤولين سياسيين سابقين في الولايات المتحدة، وهو ما أثار انتقادات من مسؤولين محليين وصفوا ذلك بأنه “خيانة”.

احتمالات المستقبل

تؤكد حركة “ابقوا أحراراً يا ألبرتا” أن مقترحها يهدف إلى إنشاء دولة تحترم حقوق السكان الأصليين بشكل أكبر، مع منحهم مقعداً على طاولة التفاوض، في محاولة لاحتواء الانتقادات.

يرى شيلدون سانشاين، زعيم القبيلة، أن من غير المرجح أن يوقف القضاء العريضة بالكامل، لكنه يتوقع أن ينضم المزيد من الأمم الأولى إلى الطعن القانوني ضد مساعي الانفصال، ما قد يوسع نطاق النزاع.

وتبرز هذه المواجهة بوصفها حالة نموذجية لصراع بين إرادة سياسية محلية وحقوق تاريخية مثبتة في معاهدات، في ظل نظام قانوني يسعى لتحقيق التوازن بين الطرفين.

السيادة والحقوق التاريخية

تعكس هذه القضية، كما تناولتها صحيفة “ناشونال تايمز” الكندية، صداماً واضحاً بين مبدأ الديمقراطية المباشرة من جهة، وحقوق السكان الأصليين المنصوص عليها في المعاهدات من جهة أخرى.

وتضع القضية أمام المحكمة سؤالاً جوهرياً حول حدود الاستفتاءات الشعبية، عندما تتعارض مع التزامات قانونية تاريخية، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمفهوم العدالة الدستورية في كندا.

في ظل هذا التداخل بين السياسة والقانون وحقوق الإنسان، يبقى قرار المحكمة المرتقب في الثاني من مايو نقطة فاصلة قد تحدد مسار الاستفتاء، وربما مستقبل العلاقة بين ألبرتا والأمم الأولى في كندا.