منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عام على مجازر الساحل.. العلويون يواجهون الفقر والبطالة والعنف الطائفي في سوريا

17 مارس 2026

رغم مرور عام على المجازر التي شهدتها مناطق الساحل السوري في مارس 2025، ما زال أبناء الطائفة العلوية يعيشون أوضاعاً إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة، في ظل تصاعد معدلات البطالة وتراجع مصادر الدخل، وسط اتهامات للحكومة الانتقالية باتباع سياسة إقصاء ممنهجة بحقهم، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

شهدت مناطق الساحل في سوريا خلال مارس 2025 واحدة من أعنف موجات العنف الطائفي، حيث وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 803 أشخاص خارج نطاق القانون خلال أيام قليلة، بينما أشارت تحقيقات لوكالة أنباء رويترز إلى أن عدد الضحايا قد يصل إلى نحو 1500 قتيل، معظمهم من المدنيين العلويين، في تصعيد وصف بأنه الأخطر منذ سنوات.

ولم تقتصر الانتهاكات على منطقة الساحل، إذ سجلت اشتباكات الجنوب في محافظة السويداء خلال يوليو 2025 مقتل نحو 250 شخصا خلال أيام، إلى جانب نزوح قرابة ألفي عائلة نتيجة المواجهات ذات الطابع الطائفي.

من هم العلويون؟

تشكل الطائفة العلوية أحد أبرز المكونات الدينية في سوريا، ويُقدّر عدد أبنائها قبل اندلاع الحرب السورية بنحو 10 إلى 12 بالمئة من السكان، أي ما بين مليوني وثلاثة ملايين نسمة، مع تمركز رئيسي في محافظتي اللاذقية وطرطوس ومناطق من حمص وحماة، وتعود جذور الطائفة إلى قرون طويلة، حيث نشأت كفرع من التشيع قبل أن تتطور عقائديا بشكل مستقل، ما جعلها تاريخيا ضمن فئات مهمشة سياسيا واجتماعيا حتى النصف الثاني من القرن العشرين وفق دراسات ديموغرافية منشورة في معهد كارنيغي للسلام.

بين النفوذ والاتهامات

بحسب معهد الشرق الأوسط شهدت الطائفة تحولا جذريا مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، حيث تعزز حضور العلويين داخل الجيش والأجهزة الأمنية، واستمر هذا النفوذ خلال حكم بشار الأسد، ما أدى إلى ربط الطائفة بالنظام في الوعي العام، رغم وجود تفاوتات اقتصادية واجتماعية داخلها.

مع اندلاع النزاع السوري عام 2011، تعرض العلويون لاتهامات جماعية بدعم النظام والمشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى تصاعد خطاب الكراهية ضدهم، وتشير تقديرات إلى أن عشرات الآلاف من أبناء الطائفة قتلوا خلال سنوات الحرب، خصوصا ضمن صفوف القوات النظامية، ما جعلهم من أكثر المكونات تضررا بشريا مقارنة بحجمهم السكاني وفق تقارير الأمم المتحدة حول النزاع السوري.

انتهاكات موثقة بالأرقام

وثّقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، في تقرير مفصل، سلسلة انتهاكات شملت القتل خارج القانون والخطف والتعذيب والعنف القائم على الهوية، حيث سجلت 64 حالة قتل بينها نساء وأطفال، إضافة إلى حالات خطف وتعذيب متعددة في الأشهر التي تلت المجازر، كما أكدت تقارير حقوقية أن هذه الانتهاكات كانت واسعة ومنهجية واستهدفت المدنيين على أساس طائفي، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

وأكدت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة أن أعمال العنف في الساحل السوري كانت واسعة النطاق وقد ترقى إلى جرائم حرب في ظل استهداف مدنيين على أساس الانتماء الديني أو الطائفي، مشيرة إلى أن المدنيين تعرضوا لانتهاكات جسيمة في سياق العمليات الأمنية.

تدهور اقتصادي وأزمات معيشية

بالتوازي مع العنف، يعيش أبناء الطائفة العلوية أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إذ فقد مئات الآلاف وظائفهم بعد حل مؤسسات عسكرية وأمنية، وارتفعت معدلات البطالة بشكل حاد في مناطق الساحل، مع غياب مصادر دخل مستقرة وتراجع النشاط الاقتصادي وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

كما تشير التقارير الميدانية بحسب المرصد السوري إلى تأخر صرف الرواتب لأشهر، وارتفاع معدلات الفقر، إذ باتت شريحة واسعة من السكان تعتمد على المساعدات المحدودة، في ظل صعوبات في وصول الدعم الخارجي، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل كبير.

وتتهم مصادر محلية الحكومة الانتقالية باتباع سياسات إقصاء، من خلال عمليات فصل جماعي مستمرة، وهو ما أدى إلى تنامي الشعور بالتهميش، ورفض قطاعات واسعة من العلويين الاعتراف بالسلطة الجديدة، وسط مخاوف من تحول الاحتقان إلى صراع طويل الأمد.

في ظل هذه الظروف، برزت دعوات داخل الطائفة لتبني نظام فيدرالي أو حكم ذاتي في الساحل، في محاولة لضمان الحماية وإدارة الموارد، بينما ترفض السلطات هذه الطروحات، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.

مطالب حقوقية

طالبت منظمة العفو الدولية بإجراء تحقيقات عاجلة في المجازر، مؤكدة أن قتل المدنيين العلويين قد يرقى إلى جرائم حرب، حيث وثقت المنظمة عمليات قتل متعمدة استهدفت هذه الفئة كما دعت هيومن رايتس ووتش إلى وقف الانتهاكات القائمة على الهوية ومحاسبة المسؤولين عنها.

أدت هذه التطورات إلى نزوح آلاف العائلات داخل مناطق الساحل، مع تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر، إضافة إلى انتشار حالة من الخوف وعدم الاستقرار، خاصة مع استمرار حوادث العنف المتفرقة وغياب الضمانات الأمنية.

النزوح واللجوء

أدى تصاعد العنف الطائفي بعد أحداث الساحل السوري في مارس 2025 إلى موجة نزوح واسعة بين أبناء الطائفة العلوية، وتشير تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 72 ألف شخص اضطروا للنزوح داخليًا خلال الأشهر الستة الأولى بعد المجازر، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، وأفادت التقارير بأن العديد من النازحين يواجهون صعوبات بالغة في الوصول إلى المساعدات الإنسانية، إذ يقتصر توزيع المواد الغذائية والطبية على مناطق محدودة بسبب القيود الأمنية والتفجيرات المستمرة، ما يعكس حجم الأزمة المعيشية التي تعيشها هذه الفئة.

التغير الديموغرافي

كما أدت موجات العنف والفصل الوظيفي إلى تغييرات ديموغرافية ملموسة في الساحل السوري، وبحسب تقرير مركز كارنيغي، فقد هاجر نحو 30 بالمئة من سكان القرى الساحلية العلوية إلى مناطق أخرى داخل سوريا أو خارجها، في حين تراجعت نسبة السكان الأصليين في بعض البلدات من 85 بالمئة قبل الحرب إلى أقل من 50 بالمئة بعد المجازر وتؤكد مجموعة الأزمات الدولية أن هذا التغير يهدد التوازن الاجتماعي المحلي ويخلق فراغا ديموغرافيا يمكن أن يستغله الفاعلون السياسيون والأمنيون في فرض نفوذ جديد.

خطاب الكراهية والتحريض

شهدت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المحلي تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد العلويين بعد 2025، حيث رصدت اليونسكو زيادة منشورات تدعو إلى التمييز الطائفي والعنف المباشر ضد المدنيين العلويين، وحذّرت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية من أن هذا النوع من الخطاب يغذي العنف ويزيد احتمالات الانتقام الطائفي، ويعد أحد العوامل الأساسية التي تؤدي إلى استمرار دائرة الانتهاكات في الساحل السوري.

العدالة الانتقالية والمساءلة

غياب العدالة الانتقالية يمثل أحد أكبر التحديات في معالجة الأزمة العلوية، فقد أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن غياب محاسبة المسؤولين عن المجازر والانتهاكات التي وقعت في الساحل السوري يسهم في استمرار الانتهاكات وتكرارها، ويحول دون بناء الثقة بين المكونات المختلفة، وتشير التقارير إلى أن عدم وجود آليات قانونية واضحة لمعاقبة مرتكبي الانتهاكات أدى إلى شعور واسع بالتهميش لدى العلويين، ما يعقد جهود المصالحة الوطنية ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.

الأطفال والنساء

تعد الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال بين ضحايا الأزمة، حيث أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” بأن نحو 40 بالمئة من الأطفال العلويين في الساحل تأثروا بشكل مباشر بالانتهاكات، سواء من حيث فقدان أحد الوالدين أو النزوح أو الانقطاع عن التعليم، إضافة إلى ارتفاع حالات الصدمات النفسية والقلق، كما تواجه النساء صعوبات مضاعفة، إذ يتحملن عبء إعالة أسرهن في ظل غياب فرص العمل وتدهور الخدمات الأساسية، بما يزيد من هشاشة الوضع الإنساني ويجعل التدخلات العاجلة ضرورة قصوى.

تعكس أزمة العلويين في سوريا مسارا معقدا من التحولات، حيث انتقلوا من موقع التهميش التاريخي إلى موقع النفوذ السياسي، ثم إلى حالة من الاستهداف والاتهام الجماعي بعد سقوط النظام، ومع تصاعد الحرب والانقسامات الطائفية، أصبحت الطائفة في قلب صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية، وتشير المعطيات الحالية إلى أن غياب العدالة الانتقالية والمساءلة، إلى جانب استمرار التوترات الإقليمية، يفاقم من هشاشة الوضع، ويجعل من الأزمة العلوية جزءا من المشهد الأوسع لانهيار الدولة وتفكك النسيج الاجتماعي في سوريا، في ظل تحذيرات دولية من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار في المنطقة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية