أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إيطاليا مشروعها الجديد “فا.سي – بناء منظومة.. شبكات من أجل الإدماج”، والذي يمتد لـ36 شهراً ويستهدف تحسين حوكمة إدماج اللاجئين وعديمي الجنسية في المجتمع وسوق العمل.
ووفق وزارة العمل والسياسات الاجتماعية الإيطالية، فإن المشروع ممول من صندوق اللجوء والهجرة والإدماج 2021-2027، ويُنفذ برعاية الوزارة، في حين تشير وثيقة حكومية إلى أن ميزانيته تبلغ 4 ملايين يورو، وأن انطلاقه العملي كان في يناير الماضي قبل الإعلان عنه رسمياً في 3 أبريل الجاري.
المشروع لا يقدم نفسه بوصفه مبادرة خدماتية محدودة، بل مسعى لإعادة تنظيم طريقة عمل مؤسسات الإدماج في إيطاليا، فبحسب وزارة العمل، يركز “فا.سي” على تحسين الحوكمة وبناء القدرات، بهدف إنشاء نظام وطني ومحلي متعدد المستويات والأطراف لإدماج اللاجئين اجتماعياً ومهنياً، مع إشراك المؤسسات العامة والبلديات والشركات ومنظمات المجتمع المدني والجامعات.
كما يهدف إلى تحويل الإدماج من مبادرات متفرقة إلى أدوات تشغيلية موحدة وإجراءات أكثر استقراراً على المستوى المحلي.
وتأتي أهمية المشروع من السياق الذي يُطلق فيه. فإيطاليا، بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الخاصة بالسياق القطري، تستضيف نحو 90 ألف لاجئ و46 ألف طالب لجوء و822 شخصاً عديم جنسية.
وفي الوقت نفسه بقيت في النصف الأول من 2025 الوجهة الرئيسة للوصول البحري في جنوب أوروبا، في حين سجلت 66,316 حالة وصول بحري خلال 2025، بحسب بيانات مفوضية اللاجئين، وهذا يعني أن الحاجة لم تعد تقتصر على الاستقبال الأولي، بل تمتد إلى إيجاد بنية إدماج أكثر تماسكاً في المدن وسوق العمل والخدمات المحلية.
ماذا يريد المشروع أن يغير؟
وفق الإعلان الرسمي، يريد “فا.سي” أن يعالج واحدة من كبريات مشكلات سياسات الإدماج في إيطاليا وهي التشتت، فالكثير من الخدمات موجود بالفعل، لكن الوصول إليها غالباً ما يكون مجزأً بين البلديات، ومكاتب العمل، والخدمات الاجتماعية، والجمعيات، والشركات.
لذلك يركز المشروع على التنسيق المحلي بين الجهات المختلفة، ووضع إجراءات موحدة للإدماج الاجتماعي والوظيفي، وتحسين قدرة العاملين في المؤسسات والقطاع الثالث على التعامل مع ملفات اللاجئين بصورة أكثر فاعلية.
ومن هنا، فإن الدور الرئيس للمشروع ليس فقط “تقديم خدمة”، بل بناء بنية تشغيلية دائمة، وتوضح الحكومة الإيطالية أن “فا.سي” يستهدف: نمذجة نظام حوكمة محلي متعدد المستويات للإدماج الاجتماعي-الوظيفي، ورفع كفاءة المشغلين، وتحسين التعاون الفني وتبادل البيانات والممارسات الجيدة، إلى جانب تطوير قنوات الدخول للعمل للأشخاص اللاجئين.
كما يتكامل مع توجه حكومي أوسع نحو إنشاء أدوات مراقبة لاحتياجات سوق العمل الأجنبية، إذ أطلقت الوزارة في يناير 2026 لوحة متابعة على بوابة دمج المهاجرين “Integrazione Migranti” لرصد احتياجات الشركات الإيطالية من العمالة الأجنبية.
ما الذي سيقدمه عملياً؟
المشروع يتضمن محاور تنفيذية عدة، أولها أنشطة بناء القدرات للمسؤولين والموظفين والعاملين في الإدماج، سواء داخل المؤسسات العامة أو لدى الشركاء المحليين، وثانيها تعميم نموذج “المحطة الواحدة” أو one-stop-shop المستلهم من برنامج “سباتسيو كوموني”، بحيث يستطيع اللاجئ الوصول إلى الخدمات الأساسية والإحالات المهنية والاجتماعية من نقطة تنسيق أكثر وضوحاً.
وثالثها تقوية شبكة المدن المنخرطة في سياسات الإدماج، إضافة إلى تشجيع شراكات جديدة بين البلديات والشركات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني.
وبحسب تقرير للبنك الدولي نُشر في أواخر مارس الماضي، فإن “سباتسيو كوموني” مبادرة طورتها المفوضية منذ 2022 بالتعاون مع خمس بلديات إيطالية هي: تورينو، ميلانو، روما، نابولي، وباري، لدعم إدماج اللاجئين عبر مراكز متعددة الوظائف.
كما يوضح موجز سياساتي تابع لمفوضية اللاجئين أن هذه المراكز تعمل كـ”محاور إدماج” تجمع المؤسسات المحلية ومقدمي الخدمات في مكان واحد لمساعدة اللاجئين على الوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية.
على ماذا يُبنى “فا.سي”؟
يُبنى المشروع الجديد على ركيزتين سبق أن طورتها المفوضية في إيطاليا. الأولى هي برنامج “Welcome. Working for Refugee Integration” الخاص بإدماج اللاجئين في سوق العمل.
ووفق بيانات مفوضية اللاجئين المعلنة في 19 يونيو 2025، فقد أسهم البرنامج منذ إطلاقه في أكثر من 50 ألف مسار إدماج وعمل، في حين شهد عام 2024 وحده أكثر من 16,200 مسار مهني للاجئين، كما جرى تكريم أكثر من 950 شركة لدورها في دعم تشغيل اللاجئين.
أما الركيزة الثانية فهي الشبكة المحلية الواسعة التي بُنيت حول هذا البرنامج، فوفق التقرير السنوي لـWelcome الصادر في 2025 عن نتائج 2024، شاركت في WelcomeNet نحو 127 منظمة من المجتمع المدني في 18 منطقة و60 محافظة.
وعمل 7 مسؤولين للربط داخل مراكز إدماج أقيمت بالشراكة مع بلديات باري، بولونيا، بريشيا، ميلانو، نابولي، روما، وتورينو ضمن إطار “سباتسيو كوموني”، وتفسر هذه الأرقام لماذا اختارت المفوضية الآن الانتقال من منطق “المشروعات الناجحة” إلى منطق “المنظومة”.
الارتباط بممرات العمل
أحد أكثر جوانب “فا.سي” أهمية هو صلته بما يسمى “ممرات العمل” للاجئين وعديمي الجنسية، حيث أوضحت وزارة العمل أن المشروع ينسجم مع الإصلاحات الخاصة بدخول العمالة إلى إيطاليا، خصوصاً بعد القانون رقم 50 لسنة 2023، ومع بروتوكول التفاهم الموقّع في يونيو 2025 بين الوزارات المعنية ومفوضية اللاجئين وشركاء آخرين.
الهدف هنا هو بناء قناة قانونية ومنظمة لوصول لاجئين مؤهلين مهنياً إلى سوق العمل الإيطالي، بدلاً من الاكتفاء بمسارات اللجوء التقليدية أو الحلول الإنسانية المؤقتة.
ووفق وزارة الخارجية الإيطالية، كان هناك حتى 27 يونيو 2025 أربعة مشاريع قائمة ستفيد 70 لاجئاً يقيمون في كولومبيا ومصر وأوغندا والأردن، للعمل في قطاعات المطارات، وبناء السفن، وتكنولوجيا المعلومات، وصياغة الذهب.
كما كانت هناك مبادرات إضافية قيد الإعداد في الكاميرون في قطاع النقل، وفي بيرو وكولومبيا في قطاع المطارات.
وفي يناير 2025 قالت مفوضية شؤون اللاجئين، إن برامج تدريب أخرى ستُطلق خلال العام نفسه، مع توقع وصول أكثر من 100 لاجئ إلى إيطاليا بنهاية 2025 ضمن هذا المسار الجديد.
أهمية المشروع لسوق العمل الإيطالي
المشروع لا يخاطب فقط حقوق اللاجئين، بل أيضاً احتياجات الاقتصاد الإيطالي،. فالوثيقة الحكومية المحدثة في فبراير 2026 تشير إلى أن السياسات الجديدة للهجرة والعمل باتت تركز بصورة كبرى على المواءمة بين احتياجات الشركات وقنوات الدخول القانونية، وعلى استخدام بيانات أكثر انتظاماً لمتابعة طلب العمالة الأجنبية.
ومن هذا المنظور، فإن “فا.سي” يعمل في نقطة التقاء بين سياسة الإدماج وسياسة العمل، عبر تحويل اللاجئ من “مستفيد من الخدمة” إلى “فاعل اقتصادي محتمل” داخل مسارات قانونية منظمة.
وإذا نُفذ المشروع كما هو معلن، فمن المفترض أن ينعكس المشروع على حياة اللاجئين في ثلاث مستويات.. الأول هو تحسين الوصول إلى الخدمات عبر نماذج تنسيق أوضح ومسارات أقل تشظياً، والثاني هو رفع فرص الإدماج الوظيفي من خلال صلات أقوى مع الشركات وتجارب عملية أكثر تنظيماً وخدمات أقرب إلى احتياجات سوق العمل.
والثالث هو زيادة الاستدامة؛ لأن الفكرة الأساسية في “فا.سي” ليست إنشاء مبادرة مؤقتة، بل ترك آليات محلية ووطنية يمكن أن تستمر بعد انتهاء التمويل، هذه هي الرسالة الأساسية التي شددت عليها وزارة العمل والمفوضية عند إطلاق المشروع.
تحديات متوقعة
ويظل نجاح المشروع مرتبطاً بعدة تحديات، أولها قدرة المؤسسات المحلية على العمل معاً فعلياً، لا فقط ضمن بروتوكولات شكلية، بالإضافة إلى قدرة البلديات الصغيرة والمتوسطة على استيعاب نماذج الإدماج المتقدمة، ولا سيما خارج المدن الكبرى.
وثالث التحديات التي يواجهها المشروع، أن الإدماج المهني نفسه يتوقف على شروط أوسع: اللغة، والاعتراف بالمهارات، والسكن، والوصول إلى النقل والخدمات.
ولهذا يبدو أن المشروع يراهن على نهج “المجتمع كله” الذي تراهن عليه مفوضية اللاجئين في إيطاليا، أي دمج المؤسسات العامة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات في شبكة واحدة.

