*كيرستي ميجور
رجل يقف في منتصف شارع إنجليزي هادئ، يمسك بحزمة من النقود ويبتسم للكاميرا قائلاً: “أنا على وشك دفع فواتير الطاقة لهذا الشارع بالكامل”.. تنتقل اللقطة إلى مشاهد جوية بانسيابية تُظهر الحي.. يطرق باب أحد المنازل، فتفتح امرأة تبدو مذهولة، ترتدي رداءً منزلياً، يقول لها: “مبارك يا كارول، لقد وفّرتِ أكثر من ألف جنيه هذا العام!” ترتفع الموسيقى الإلكترونية الحماسية، وتعانقه. ثم لقطة للجار التالي وهو يتسلم جائزته، ثم آخر، ثم آخر، في حين يرتفع عدّاد في أسفل الشاشة يُظهر إجمالي المبلغ الموزع.. وفي النهاية، يخرج سكان الحي جميعاً إلى الشارع، يلوّحون بأيديهم فرحاً.
هذا، على الأرجح، هو النوع من المحتوى الذي سنشاهده عندما تنتهي “يانصيب فواتير الطاقة” التي أطلقها حزب “ريفورم يو كيه”، فقد أعلن الحزب، الشهر الماضي، عن مسابقة عنوانها “نايجل خفّض فواتيري”: مقابل بياناتك الشخصية سجل تصويتك، اسمك، رقم هاتفك وبريدك الإلكتروني، ويمكنك الفوز بفرصة زيارة فاراج لمنزلك ودفع فواتير الطاقة لك ولجيرانك لمدة عام كامل.
أُثيرت مخاوف بشأن جمع البيانات، لكن هذا ليس ما يقلقني، بصراحة، لا يشغلني كثيراً الحديث عن خروقات محتملة لقواعد حماية البيانات، ما يقلقني حقاً هو ما يمثله هذا الاستعراض: “مستربِيستَة” السياسة البريطانية.
“سيد يوتيوب”، مستر بيست، اشتهر بعروض ضخمة ومبالغ لإسعاد المراهقين حول العالم، أحد أنماط فيديوهاته يقوم على توزيع مبالغ مالية هائلة على أشخاص عشوائيين، مثل المرة التي منح فيها 10 آلاف دولار لرجل بلا مأوى في ولاية نورث كارولاينا كان يستجدي المارة. مستر بيست – واسمه الحقيقي جيمس دونالدسون – يتمتع بشعبية هائلة؛ فالفيديو الأكثر مشاهدة له حصد 915 مليون مشاهدة، أي أكثر من عدد سكان أوروبا بأكملها.

يدرك حزب “ريفورم” أن السياسة باتت تُخاض بشكل متزايد على الإنترنت، وفي هذا الفضاء تصبح المشاعر هي العنصر الحاسم. ولجذب الانتباه، وبالتالي كسب الدعم، يحتاج إلى إثارة غضب الناخبين (بشأن قوارب الهجرة الصغيرة)، وفي الوقت نفسه إثارة حماسهم تجاه ما يقدمه. وتعتمد هذه الحيلة على العناصر ذاتها التي نجدها في فيديوهات مستر بيست: المفاجأة، والمبالغ الكبيرة، والإحساس بأن الأمر عشوائي بما يكفي ليجعلك تفكر: ربما أكون أنا الآتي.
ويعرض موقع “نايجل خفّض فواتيري” أيضاً وعوداً حول كيفية خفض تكاليف الطاقة للجميع إذا فاز الحزب في الانتخابات المقبلة: إلغاء ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة لتوفير 85 جنيهاً، وإلغاء “الضريبة الخضراء” لحزب العمال لتوفير 100 جنيه، وإلغاء ضريبة الكربون لتوفير 15 جنيهاً. وللإنصاف، فإن هذا الاستعراض يُعد قطعة بارعة من التواصل السياسي؛ فهو يمسك بك من ياقة سترتك ويصرخ: “فاراج هو الرجل الذي يضع المال في جيبك” الآن وربما في الحكم لاحقاً.
لكن وسط كل هذا البهرج، وهذه النزعة المفرطة المصممة لعصر وسائل التواصل، من السهل أن يفوتك أن الحزب يضلل الناس في فهم كيفية تسعير الطاقة. فارتفاع الفواتير لا يعود إلى ضريبة القيمة المضافة أو الرسوم الخضراء أو ضرائب الكربون، بل إلى ارتباط أسعار الطاقة بسعر مصدرنا الاحتياطي: الغاز.
الاعتماد على الوقود الأحفوري لا الطاقة المتجددة هو السبب الحقيقي، وهوس نايجل فاراج بالتنقيب في بحر الشمال لن يفعل سوى إبقائنا رهائن لأسواق طاقة متقلبة، وهذا يعني ببساطة أن كارول، وكل من مثلها، سيستمرون في الخسارة على المدى الطويل.
ويذكّرني هذا بسياسة طرحها الحزب خلال حملته عام 2024، حين أعلن فرض 250 ألف جنيه استرليني على ما يُعرف بغير المقيمين ضريبياً مقابل تصريح إقامة قابل للتجديد لعشر سنوات مع مزايا ضريبية. وكان من المفترض أن تُوجَّه حصيلة هذه الضريبة لمرة واحدة إلى أصحاب الأجور المتدنية في بريطانيا. “مفاجأة يا كارول، هذه جائزتك النقدية مقابل التصويت!”، لكن المستفيد الحقيقي من هذا الترتيب هو الثري الذي لا يعيش في شارعك (إلا إذا كنت تملك شقة فاخرة في مايفير)، إذ إن هذا المبلغ الضئيل لا يُقارن بما كان سيدفعه من ضرائب لخدمات الدولة.
في أحد المقاطع، بعد أن يمنح صانع المحتوى الشهير المال لرجل بلا مأوى، يسأله كيف انتهت به الحال إلى الشارع. يروي الرجل قصة مؤلمة عن فقدان أسرته، ثم خسارته وظيفته في المصنع، واضطراره للعيش في الفنادق حتى نفد ماله. عندها يتبدل تعبير وجه صانع الفيديو، وتتشتت نظراته في ارتباك، غير قادر على إيجاد رد مناسب.
الخلاصة أن الاستعراضات الكبيرة والسياسات الرمزية لا تواجه الواقع، إنها مجرد عرض لا أكثر.
*نائبة محرر قسم الرأي في الجارديان
نقلاً عن الجارديان..
