منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من الحروق الجلدية إلى اضطراب الهوية

سوق بلا ضوابط تهدد حقوق الأطفال.. مستحضرات التجميل تغزو عالم الصغار

09 أبريل 2026
مستحضرات التجميل تغزو عالم الصغار
مستحضرات التجميل تغزو عالم الصغار

تكشف ظاهرة التوسع في استخدام الأطفال مستحضرات التجميل عن تحدٍ متصاعد يتعلق بحمايتهم من ضغوط تجارية وثقافية تتجاوز أعمارهم، حيث يجد صغار لم يبلغ بعضهم سن المراهقة أنفسهم منخرطين في عادات استهلاكية معقدة دون إدراك كافٍ لمخاطرها.

وتُظهر تقارير صحفية ومنظمات حقوقية كيف تدفع منصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الذي يقدمه المؤثرون الأطفال نحو تبني معايير جمالية صارمة وروتينات عناية مكثفة، في بيئة تفتقر إلى الضوابط الكافية، وهنا لا تبدو القضية مجرد ظاهرة عابرة، بل مسألة حقوقية ترتبط مباشرة بواجب حماية الأطفال من الاستغلال التجاري، وضمان حقهم في الصحة الجسدية والنفسية، في ظل سوق تتوسع نحوهم بوتيرة متسارعة دون ضمانات كافية.

وتسلط خبيرة التجميل الإيطالية يسرا بيجاما الضوء على هذا التحول حين تخاطب، عبر مقاطع فيديو على “تيك توك”، فتيات دون سن 14 عامًا، مستعرضة منتجات للعناية بالبشرة بأسعار متفاوتة، في محتوى موجه بوضوح لفئة عمرية صغيرة، وفق ما أوردته فايننشيال تايمز.

وتعكس هذه المقاطع، التي يتابعها ملايين المستخدمين، تحولًا في سوق التجميل، حيث لم تعد المنتجات موجهة للبالغين فقط، بل أصبحت جزءًا من ثقافة رقمية تستهدف الأطفال والمراهقين بشكل متزايد.

تحذّر جهات رقابية أوروبية من هذا الاتجاه، إذ فتحت هيئة مراقبة المنافسة الإيطالية تحقيقًا بشأن أساليب تسويق “خبيثة” تستهدف فتيات لا تتجاوز أعمار بعضهن 10 سنوات، باستخدام مؤثرين صغار للترويج لمنتجات تشمل سيرومات وكريمات مضادة للشيخوخة.

يربط عالم النفس ألبرتو ستيفانا هذه الظاهرة بما يسميه “هوس مستحضرات التجميل”، مشيرًا إلى أن الاستخدام المفرط وغير المناسب للعمر يؤدي إلى اضطرابات في بناء الهوية، حيث يصبح الأطفال غير قادرين على تقبل أبسط العيوب في مظهرهم.

قلق صحي ونفسي

يوضح طبيب الأمراض الجلدية جيوفاني دامياني أن العيادات بدأت تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في حالات التهاب الجلد بين فتيات تتراوح أعمارهن بين 8 و16 عامًا، نتيجة استخدام منتجات تحتوي على مكونات قوية مثل الريتينول والكورتيكوستيرويدات.

ويكشف دامياني أن بعض هذه المنتجات تُسوّق تحت مسميات تجميلية جذابة مثل “كريمات التفتيح”، رغم احتوائها على مواد قد تسبب أضرارًا جلدية، ما يثير تساؤلات حول مسؤولية الشركات في حماية المستهلكين الصغار.

تعزز دراسةٌ لجامعة نورث وسترن هذا القلق، إذ أظهرت أن روتينات العناية بالبشرة التي ينشرها المراهقون عبر “تيك توك” تحتوي في المتوسط على 11 مكونًا نشطًا، ما يزيد من احتمالات التهيج والحساسية المزمنة.

ومن جانبها، تؤكد منظمة “هيومانيوم”، المعنية بحقوق الأطفال، أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأضرار الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث تؤثر على نظرة الأطفال لأنفسهم وتدفعهم إلى تبني معايير جمال غير واقعية خلال مرحلة حساسة من تطورهم.

تستفيد شركات التجميل من هذا التوجه، حيث تشير بيانات إلى نمو متوقع في سوق منتجات العناية ببشرة الأطفال بنسبة تصل إلى نحو 7.71% سنويًا حتى عام 2028، مع وصول عدد المستخدمين إلى أكثر من 160 مليون شخص عالميًا.

وتشير المنظمة التي تتخذ من سويسرا مقرا لها، إلى تقارير تكشف أن بعض العلامات التجارية بدأت بالفعل تطوير منتجات مخصصة للأطفال، بل وحتى للفئات الأصغر سنًا، مع طرح أقنعة وجه ومنتجات ترطيب موجهة لأطفال بدءًا من سن 3 سنوات.

استغلال منصات التواصل

وتعتمد هذه الاستراتيجيات على استغلال منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتعرض الأطفال لمحتوى ترويجي مكثف من مؤثرين، كثير منهم في سن المراهقة، ما يعزز سلوك التقليد باعتباره وسيلة للاندماج الاجتماعي.

وتوضح الدكتورة ميغان أوينز، المتخصصة في العلاج النفسي، أن الأطفال يحاولون من خلال هذه السلوكيات الإجابة عن أسئلة الهوية والانتماء، لكنهم يصطدمون بنماذج جمالية غير قابلة للتحقيق.

ومن جانبها، تكشف صحيفة “الغارديان” عن مشاهد يومية داخل متاجر التجميل، حيث يقلد الأطفال المؤثرين ويطلبون منتجات مخصصة للبشرة الناضجة، بما في ذلك كريمات مكافحة الشيخوخة.

وتروي موظفة في أحد المتاجر حادثة لطفلة في العاشرة من عمرها أصيبت بحروق جلدية بعد استخدامها مزيجًا من الأحماض، في غياب إشراف الوالدين، ما يعكس خطورة الاستخدام غير الواعي لهذه المنتجات.

وتظهر حالات أخرى لضغط اجتماعي، حيث تلجأ بعض الأسر إلى شراء منتجات باهظة الثمن لتجنب تعرض أطفالها للتنمر، في مؤشر على تحول مستحضرات التجميل إلى وسيلة للقبول الاجتماعي.

ويربط محللون هذا التوجه بثقافة رقمية أوسع، حيث يتعرض الأطفال لنفس الإعلانات التي تستهدف البالغين، في بيئة تتلاشى فيها الحدود بين المحتوى الترفيهي والإعلاني.

دعوات للتنظيم القانوني

تطالب مديرة منظمة “سيف فيس” آشتون كولينز بفرض قيود قانونية على بيع المنتجات التي تحتوي على مكونات فعالة للأطفال دون سن 18 عامًا، واصفة الوضع بأنه “بيئة سامة للغاية”.

يدعم هذه الدعوات محاولاتٌ تشريعيةٌ في الولايات المتحدة، حيث سعى عضو مجلس ولاية كاليفورنيا أليكس لي إلى حظر بيع منتجات تحتوي على الريتينول وحمض الجليكوليك للأطفال، إلا أن هذه الجهود واجهت معارضة من صناعة التجميل.

وتشير منظمة “هيومانيوم” إلى غياب متطلبات واضحة لوسم المنتجات بتحذيرات موجهة للفئات العمرية الصغيرة، ما يترك الأطفال عرضة لاستخدام منتجات غير مناسبة دون إدراك المخاطر.

تؤكد المنظمة أن مسؤولية الحماية لا تقع على عاتق الآباء فقط، بل تشمل الشركات والمنصات الرقمية التي تسهم في تشكيل سلوك المستهلكين الصغار.

صراع بين الربح والحقوق

تعكس هذه الظاهرة، في جوهرها، صراعًا بين توسع السوق وحقوق الطفل، حيث تسعى الشركات إلى خلق قاعدة عملاء مبكرة، فيما يواجه الأطفال مخاطر صحية ونفسية متزايدة.

وتحذر التقارير الصحفية والحقوقية من أن هذا التوجه قد يؤدي إلى فقدان الأطفال لمرحلة الطفولة الطبيعية، مع تحول الاهتمام بالمظهر إلى محور أساسي في تكوين الهوية.

تطرح هذه التطورات سؤالًا حقوقيًا مباشرًا حول مدى التزام الشركات بمبدأ “عدم الإضرار”، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئات لا تمتلك القدرة الكاملة على اتخاذ قرارات استهلاكية واعية.