منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سلسلة من الجرائم تهدد المدنيين وسط هشاشة الأمن وانتشار الفوضى في سوريا

04 أبريل 2026
استخراج جثمان من مقبرة جماعية في سوريا
استخراج جثمان من مقبرة جماعية في سوريا

شهدت مناطق متفرقة من سوريا خلال الأشهر الأخيرة تزايدا ملحوظا في اكتشاف المقابر الجماعية، في مشهد يعكس حجم الانتهاكات التي رافقت سنوات النزاع، وقد عثر على رفات عشرات الضحايا مجهولي الهوية في محافظات عدة، بينها دير الزور وحمص ودمشق وريفها وحلب ودرعا والحسكة، ما يعيد إلى الواجهة ملفات إنسانية مؤجلة منذ سنوات.

توثيق حقوقي يكشف الأرقام

ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تم توثيق ثماني مقابر جماعية منذ مطلع عام 2026، ضمت رفات 67 ضحية توزعت على مناطق مختلفة، وشملت الحالات مقبرة في دير الزور تضم تسعة أشخاص بينهم سيدة، وأخرى في حمص تضم سبعة، وفي دمشق 11، إضافة إلى 14 في ريف دمشق، وستة في حلب، و11 في درعا، وتسعة في الحسكة، إلى جانب العثور على جثث منفردة في بعض المناطق.

تكشف هذه الاكتشافات المتتالية عن استمرار ظهور أدلة ميدانية على جرائم سابقة في سوريا، إذ عثر على بعض المقابر داخل مناطق سكنية أو قرب مواقع عسكرية سابقة، بينما ظهرت أخرى خلال عمليات حفر أو عبر اكتشافات عشوائية من قبل السكان، ما يعكس اتساع رقعة الانتهاكات وصعوبة حصرها.

توزيع شهري للاكتشافات

خلال شهر فبراير تم توثيق ثلاث مقابر جماعية ضمت 24 ضحية، توزعت بين دير الزور بثمانية أشخاص، وحمص بخمسة، ودمشق بـ11.

أما في شهر مارس، فقد تم تسجيل خمس مقابر جماعية ضمت 43 شخصا، بينها 14 في ريف دمشق، وستة في حلب، و11 في درعا، وتسعة في الحسكة، إضافة إلى حالتين في حمص، فضلا عن العثور على جثة سيدة في بادية دير الزور.

تصاعد الجرائم ضد المدنيين

وفي سياق الأزمة الأمنية شهدت الأشهر الأولى من هذا العام تصاعدا ملحوظًا في الجرائم التي استهدفت المدنيين في مناطق متفرقة، حيث وثّق المرصد وقوع عشرات الحوادث التي راح ضحيتها عشرات الأشخاص من مختلف الفئات، بينهم رجال ونساء وأطفال.

وتعكس هذه الأرقام واقعًا أمنيًا متدهورا، يتسم بتكرار الجرائم وتعدد أماكن وقوعها، ما يشير إلى اتساع رقعة عدم الاستقرار، وقد توزعت هذه الجرائم على عدة محافظات ومناطق، شملت أرياف ومدنًا رئيسية، الأمر الذي يوضح أن التهديدات الأمنية لم تعد محصورة في منطقة واحدة، بل باتت تطول مختلف الجغرافيا السورية، كما يظهر من خلال الحصيلة أن الرجال كانوا النسبة الأكبر من الضحايا، إلى جانب سقوط عدد من النساء والأطفال.

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ مطلع عام 2026 وقوع 130 جريمة راح ضحيتها 145 شخصا هم: 114 رجلا، و20 امرأة، و11 طفلا.

وبحسب تفصيل الضحايا حسب الجنس والعمر يظهر أن الغالبية من الرجال، مع سقوط عدد من النساء والأطفال، مما يعكس حجم التحديات الأمنية والإنسانية التي يواجهها السكان، في ظل استمرار الانفلات الأمني وتعدد أشكال العنف.

أوضاع إنسانية متردية

سبق أن أشار مكتب الأمم المتحدة في سوريا إلى أن نحو 16 مليون سوري يواجهون أوضاعا إنسانية كارثية نتيجة تدهور الخدمات الأساسية ونقص التمويل، مع ندرة الموارد لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحا مثل الغذاء والمياه والصحة، ما يعمّق من هشاشة السكان ويزيد من معاناتهم اليومية. في هذا السياق، يشكل الانفلات الأمني المتواصل عاملا إضافيا يعرقل جهود الاستقرار والتعافي.

كما أكد فريق الأمم المتحدة المكلَّف بالتحقيق في سوريا أهمية جمع الأدلة المادية للمجازر والانتهاكات والحفاظ عليها تمهيدا للمساءلة، وذلك في إطار جهود أكبر لتوثيق الانتهاكات ضد المدنيين وتحقيق العدالة بعد سنوات النزاع، وهو ما يشير إلى رغبة أممية في أن تكون المساءلة جزءا من عملية التعافي المستقبلية إذا توفرت الشروط الأمنية والسياسية لذلك.

يعد النزاع السوري منذ 2011 أحد أكثر الصراعات دموية في الشرق الأوسط، حيث خلف ملايين القتلى والجرحى والنازحين داخليا وخارجيا بخلاف المفقودين والمختفين قسريا، ومع تراجع حدة المعارك في بعض المناطق، تبرز المقابر الجماعية كدليل ملموس على الانتهاكات السابقة، وقد شكل المرصد السوري لحقوق الإنسان منذ بداية النزاع مرجعا مهما لتوثيق الجرائم، بينما تظل الجهود الدولية لتحقيق العدالة محدودة بسبب الظروف الأمنية والسياسية المعقدة، وتبرز أهمية هذه التقارير في دعم التحقيقات المستقبلية، وتوفير قاعدة بيانات دقيقة لتحديد المسؤوليات والمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد المدنيين.