منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سدود تمتلئ وقرى عطشى.. سكان مغاربة لا يجدون الماء رغم توافر المخزون

13 أبريل 2026
سكان المناطق الصحراوية يحصلون على مياه الشرب بصعوبة
سكان المناطق الصحراوية يحصلون على مياه الشرب بصعوبة

في شمال إفريقيا يُقدَّم المغرب منذ سنوات بوصفه أحد أبرز البلدان التي راهنت مبكراً على سياسة السدود لمواجهة ندرة المياه وتقلبات المناخ، وقد عززت التساقطات الأخيرة هذا الخطاب، بعدما بلغت النسبة الإجمالية لملء السدود بالمملكة 74.1% حتى مطلع أبريل 2026، مع موارد مائية متوفرة تناهز 12.7 مليار متر مكعب، وفق وزارة التجهيز والماء.

غير أن هذا التحسن في المؤشرات الوطنية لا يلغي الأسئلة المطروحة حول العدالة المجالية في الوصول إلى الماء، خاصة فيما يتعلق بأوضاع بعض القرى الجبلية التي لا ينعكس عليها دائمًا تحسن المخزون المائي بالسرعة نفسها التي تظهرها الأرقام الإجمالية.

وتُظهر المعطيات الرسمية أن التحدي المائي في المغرب ليس ظرفياً فقط، بل هيكلي أيضاً، فبحسب وزارة التجهيز والماء، قُدِّر حجم الموارد المائية الطبيعية بالمغرب بنحو 22 مليار متر مكعب، ما يعادل متوسط 606 أمتار مكعبة للفرد سنوياً، وهو مستوى يضع البلاد في نطاق الإجهاد المائي، كما سبق لوزير التجهيز والماء أن أشار إلى تراجع حصة الفرد مقارنة بالعقود الماضية، وهو ما يعكس ضغطاً متزايداً بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على المياه.

ويكتسي هذا الملف بعداً حقوقياً واضحاً، إذ ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة مع الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة، كما ينص القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء على ضمان حق المواطنات والمواطنين في الحصول على الماء، في إطار تدبير مندمج ولا مركزي وتشاركي للموارد المائية.

جهود لتوفير الاحتياجات

وفي موازاة سياسة السدود، تراهن الدولة على تنويع العرض المائي عبر التحلية والربط بين الأحواض، وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المغرب يستهدف تعبئة أكثر من 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً بحلول عام 2030، مع تغطية ما يزيد على نصف احتياجات مياه الشرب بواسطة التحلية، كما أفادت البوابة الرسمية للمملكة المغربية بأن البلاد كانت توفر، إلى مايو 2025، 17 محطة تحلية تنتج نحو 320 مليون متر مكعب سنوياً، إلى جانب مشاريع جديدة قيد الإنجاز.

لكن توسع البنية التحتية الكبرى لا يحسم وحده مسألة الإنصاف في التوزيع؛ لأن وفرة المياه المخزنة على المستوى الوطني لا تعني تلقائياً وصولها بانتظام إلى كل المجالات، خاصة المناطق الوعرة أو البعيدة عن شبكات التزويد الرئيسة؛ وهي الفجوة التي يبرزها النص الأصلي عند المقارنة بين الخطاب الرسمي حول الأمن المائي والواقع المعيشي في بعض القرى الجبلية.

كما أن المقاربة العمومية الحالية تقوم أيضًا على تعبئة المياه لفائدة الشرب والسقي معاً، وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات الرسمية المتعلقة ببرامج الري أن الدولة تواصل توسيع مشاريع السقي وتحديث الشبكات وربط الأحواض، ما يعكس حجم الطلب المتزايد على المورد المائي بين الاستعمالات المنزلية والفلاحية، ومن ثَمّ فإن النقاش لم يعد متعلقاً فقط بحجم الموارد المتاحة، بل بكيفية ترتيب الأولويات وضمان توازن أوضح بين الأمن المائي والعدالة المجالية.

ورغم أن المغرب يملك اليوم بنية مائية كبيرة ويُسرّع استثماراته في السدود والتحلية ونقل المياه، غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه الأرقام إلى خدمة منتظمة وعادلة يشعر بها المواطن في المجال القروي والجبلي، حيث يصبح الحق في الماء معياراً للإنصاف الترابي، لا مجرد رقم إيجابي في نشرات الملء والمخزون.

السدود وتحديات الاستدامة

في السياق، قالت شرفات أفيلال، الوزيرة المنتدبة السابقة المكلفة بالماء في المغرب، إن المملكة راكمت تجربة طويلة في مجال تدبير الموارد المائية، تقوم أساساً على سياسة تعبئة الموارد عبر المشاريع الكبرى، وعلى رأسها سياسة بناء السدود التي تبناها المغرب منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال.

وأضافت في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن هذه السياسة شكلت ركيزة أساسية في ضمان الأمن المائي للبلاد، وأسهمت بشكل مباشر في توسيع نطاق التزويد بالماء الصالح للشرب على مستوى التراب الوطني، كما لعبت دوراً محورياً في تطوير الفلاحة السقوية وتعزيز الدينامية الاقتصادية في العديد من المناطق.

وأوضحت أفيلال أن المغرب لم يكتفِ فقط بتطوير بنيته التحتية المائية، بل عمل بالتوازي مع ذلك على تحديث وتطوير منظومته التشريعية والقانونية المرتبطة بالماء، مشيرة إلى أن المملكة تُعد من بين أوائل الدول العربية التي اعتمدت تشريعاً مائياً متكاملاً يهدف إلى تنظيم استغلال الموارد المائية وحماية الملك العام المائي، من خلال وضع نصوص قانونية واضحة تؤطر تدبير هذه الموارد وتضمن الحفاظ عليها للأجيال القادمة.

وفيما يتعلق بما يُثار أحياناً حول وجود نقص في التزويد بالماء الصالح للشرب في بعض القرى النائية والجبلية، قالت أفيلال إن هذه الحالات تبقى محدودة نسبياً إذا ما قورنت بالمعدل العام للتزويد بالماء في العالم القروي بالمغرب، مشيرة إلى أن نسبة الربط بالماء الصالح للشرب في الأرياف بلغت نحو 98 في المئة، وهو رقم يعكس المجهود الكبير الذي بذلته الدولة خلال العقود الماضية من أجل تعميم هذه الخدمة الحيوية.

وأضافت أن الإشكالات التي تُسجل في بعض المناطق الجبلية تعود أساساً إلى هشاشة بعض المنظومات المحلية للتزويد بالماء، والتي تعتمد غالباً على موارد مائية محلية مثل الينابيع أو الفرشات الجوفية الصغيرة، وهي موارد تتأثر بشكل مباشر بتوالي سنوات الجفاف.

وأوضحت الوزيرة السابقة أن السلطات المغربية تعمل في المقابل على إيجاد حلول بديلة ومستدامة لمعالجة هذه الإشكالات، من خلال ربط هذه المناطق تدريجياً بالمنظومات المائية الكبرى، سواء عبر السدود أو عبر شبكات وقنوات نقل المياه. وأضافت أن هذه المشاريع تهدف إلى تعزيز استدامة التزويد بالماء في المناطق القروية والجبلية، وتقليص الاعتماد على الموارد المحلية المحدودة التي تتأثر بسرعة بالتغيرات المناخية.

وقالت أفيلال إن بعض الأنشطة الفلاحية والاختيارات الزراعية التقليدية لم تعد تتلاءم مع السياق المناخي الجديد الذي يعرف تراجعاً في الموارد المائية وارتفاعاً في وتيرة الجفاف، موضحة أن هذا الوضع يفرض مراجعة بعض التوجهات الفلاحية والعمل على تطوير نموذج فلاحي أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وأكدت أن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الفلاحية والحفاظ على الموارد المائية يشكل أحد التحديات الرئيسة التي تواجه السياسات العمومية في المغرب اليوم، مشيرة إلى أن هذا التوازن ممكن التحقيق إذا ما تم اعتماد مقاربة متكاملة تقوم على تدبير عقلاني للمياه، وتشجيع التقنيات الزراعية المقتصدة للماء، إلى جانب تعزيز الاستثمارات في البنيات التحتية المائية.

رهانات العدالة المائية

من جانبها قالت حنان حمودا، أستاذة الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن المغرب يُعد تاريخياً من البلدان التي راكمت تجربة عريقة في تدبير الموارد المائية، وهذا ما منحه سمعة دولية متميزة في مجال تطوير البنية التحتية المرتبطة بالماء، خاصة من خلال سياسة بناء السدود وتطوير مشاريع كبرى لضمان الأمن المائي.

وأضافت في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن هذه الخبرة لم تتشكل في ظرف قصير، بل هي حصيلة مسار طويل من التفاعل بين المعرفة التقنية والتجارب الاجتماعية والخصوصيات الجغرافية للمغرب، مشيرة إلى أن هذه المقومات ساعدت البلاد على مواجهة تقلبات مناخية متكررة والحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في المجالات الهشة مثل الواحات والمناطق الجبلية.

وأوضحت حمودا أن النقاش حول ندرة المياه في بعض القرى الجبلية لا ينبغي فهمه فقط من زاوية نقص السياسات أو التشريعات، بل يجب النظر إليه في إطار تعقيد الواقع الجغرافي والاجتماعي، حيث تتداخل عوامل متعددة مثل صعوبة التضاريس وتشتت السكن في الوسط القروي وبعد بعض التجمعات السكانية عن الشبكات الرئيسية للتزويد بالماء.

وأضافت أن المغرب انخرط خلال السنوات الأخيرة في عدد من الأوراش التنموية الكبرى التي تستهدف حماية الأمن المائي والغذائي والزراعي، مع الحرص على تعزيز العدالة المجالية بين مختلف المناطق، مشيرة إلى أن هذه التوجهات رافقها اهتمام متزايد بدور البحث العلمي والتقني في مواجهة الأزمة البيئية، خاصة في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي أصبحت تشكل عائقاً موضوعياً أمام كثير من مشاريع التنمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

وفيما يتعلق بالإطار الدستوري والقانوني، أكدت حمودا أن الحق في الماء الصالح للشرب يُعد اليوم من الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي، وهو ما يعكس التزام الدولة بتعزيز الحماية القانونية لهذا المورد الحيوي، مضيفة أن السياسات العمومية في المغرب ترجمت هذا التوجه عبر إطلاق مشاريع وبرامج متعددة تهدف إلى تعزيز الأمن المائي، منها تطوير الطاقات المتجددة، وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة، فضلاً عن الاستمرار في سياسة بناء السدود وربط الأحواض المائية.

وأشارت إلى أن هذه المبادرات أسهمت في التخفيف من آثار الجفاف الهيكلي الذي تعرفه البلاد، خاصة في المناطق القروية والواحية والجبلية التي تأثرت بشكل كبير بتوالي سنوات الندرة.

ولفتت إلى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سبق أن دعا في مذكرته حول الحق في الماء إلى اعتبار الإجهاد المائي أولوية قصوى في السياسات العمومية، مؤكدة أن هذه المقاربة تستدعي تعزيز الجهود الرامية إلى ترشيد الاستهلاك المنزلي والفلاحي والصناعي، والتعامل مع ظاهرة الجفاف باعتبارها معطى بنيوياً وليس ظرفياً. وأضافت أن المغرب بدأ بالفعل في تبني سياسة مائية تقوم على مبدأ المسؤولية المشتركة والتضامن بين مختلف الفاعلين، مع تعزيز التعاون بين المؤسسات والقطاعات المختلفة لمواجهة التحديات المرتبطة بالموارد والتنمية المستدامة.

وختمت حمودا تصريحها بتأكيد أن ضمان وصول عادل ومستدام للمياه يتطلب مواصلة تطوير الإطار التشريعي والمؤسساتي، مع تشجيع الاستثمار في البحث العلمي والتقنيات الحديثة.

الماء قضية استراتيجية

وقال الباحث المغربي لحسن العسبي إن قضية الماء في المغرب لا يمكن النظر إليها باعتبارها مسألة ظرفية أو تقنية فحسب، بل باعتبارها قضية استراتيجية ارتبطت بتاريخ الدولة المغربية الحديثة منذ السنوات الأولى للاستقلال، موضحاً أن المغرب أدرك مبكراً أن الموارد المائية تمثل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما انعكس في التطور المتدرج للإطار التشريعي والمؤسساتي المنظم لتدبير الماء، والذي عرف مساراً تراكمياً منذ نهاية ستينيات القرن الماضي وصولاً إلى دستور سنة 2011.

وأضاف العسبي في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن هذا التطور التشريعي لم يكن معزولاً عن التحولات المناخية والديموغرافية التي عرفتها البلاد، مشيراً إلى أن المغرب واجه تحديات غير مسبوقة في تدبير موارده المائية.

وأشار إلى أن المساحات الزراعية بالمملكة اتسعت خلال العقود الأخيرة لتشمل ملايين الهكتارات في مختلف المناطق الفلاحية، وهو ما أدى إلى زيادة الضغط على الموارد المائية، خصوصاً في ظل اعتماد القطاع الزراعي على نسب مهمة من المياه المتاحة.

وأكد العسبي أن المغرب واجه هذه التحديات مبكراً عبر تبني استراتيجية وطنية حمائية لتدبير الموارد المائية، بدأت ملامحها منذ خمسينيات القرن الماضي مع إطلاق سياسة بناء السدود. وقال إن هذه السياسة شكلت خياراً استراتيجياً للدولة المغربية، حيث تم إنشاء شبكة واسعة من السدود الكبرى والمتوسطة والصغرى بهدف تخزين مياه الأمطار وتنظيم استخدامها.

وأوضح أن المغرب يمتلك اليوم رسمياً 156 سداً كبيراً و149 سداً متوسطاً، وهو ما يجعله يتصدر دول القارة الإفريقية من حيث عدد السدود المائية، بطاقة تخزينية إجمالية تصل إلى 22 مليار متر مكعب من المياه.

وأضاف أن المملكة لم تكتفِ بهذه السياسة التقليدية، بل اتجهت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى تطوير حلول تقنية جديدة، أبرزها تحلية مياه البحر، خاصة في المناطق الصحراوية الجنوبية التي تعاني بطبيعتها من محدودية الموارد المائية الطبيعية.

واستحضر العسبي نتائج دراسة علمية للدكتور عبدالله العوينة، بجامعة محمد الخامس بالرباط، حول وضعية الماء في المغرب، مشيراً إلى أن الدراسة كشفت عن تراجع ملحوظ في نصيب الفرد من الموارد المائية، حيث انخفض هذا المعدل خلال عقد واحد فقط، بين 1990 و2000، من حوالي 1200 متر مكعب للفرد سنوياً إلى نحو 950 متراً مكعباً.

وقال إن التوقعات المستقبلية تشير إلى استمرار هذا التراجع نتيجة التغيرات المناخية والضغط الديموغرافي، إذ قد ينخفض نصيب الفرد إلى حوالي 632 متراً مكعباً سنوياً بحلول سنة 2030 إذا استمرت الأوضاع المناخية على حالها.

وأوضح أن هذه الأرقام تقترب من عتبة الخطر العالمية لندرة المياه، والمحددة في 500 متر مكعب للفرد سنوياً، وهو ما يبرز حجم التحديات التي تواجه المغرب في المستقبل القريب.

وعند الحديث عن وضعية مياه الشرب في المغرب، شدد العسبي على أنه من غير الدقيق الحديث عن أزمة عطش عامة في البلاد، مشيراً إلى أن المدن المغربية، سواء الكبرى أو الصغرى، لا تعرف انقطاعات دائمة في التزويد بالماء الصالح للشرب، لافتاً إلى أن الشبكات المائية تؤمن أيضاً احتياجات الوحدات الصناعية دون اضطرابات هيكلية، ما يدل على قدرة البنية التحتية الحالية على ضمان استمرارية التزويد.

وأشار إلى أن بعض الانقطاعات المؤقتة قد تسجل خلال سنوات الجفاف في عدد من المناطق، خصوصاً في الجهات الجنوبية والشرقية القريبة من المجال الصحراوي، حيث قد يتم اللجوء أحياناً إلى تدبير مؤقت للموارد عبر تقليص ساعات التزويد بالماء، وقد تصل هذه الانقطاعات في بعض الحالات إلى نحو ست ساعات يومياً، لكنها تبقى إجراءات ظرفية وليست وضعاً دائماً.

وختم العسبي تصريحه بتأكيد أن الحق في الماء الصالح للشرب حق دستوري، والمغرب يعتمد اليوم استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد تشمل مواصلة بناء السدود، وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر، إضافة إلى تنفيذ مشروع ضخم يعرف باسم “الطريق السيار للماء” الذي يهدف إلى ربط الأحواض المائية الكبرى في شمال البلاد بالمناطق الأقل وفرة في الوسط والجنوب، ما يسمح بتعبئة الموارد المائية بشكل أكثر توازناً ويحد من ضياع كميات كبيرة من مياه الأمطار التي كانت تتجه مباشرة إلى البحر.