بقلم: كيرستن فليمنغ
أظنّنا كنّا نعتقد أن ضجيج أيديولوجيا الجندر و«ديكتاتورية الضمائر» قد خفت، لكن ما يجري اليوم يذكّرني بمدى تغلغل هذه الظاهرة في عمق المجتمع.
هذا الأسبوع، وجدتُ نفسي أمام واقعة صادمة: راهبات دومينيكيات في هاوثورن بولاية نيويورك، يدِرن دار رعاية كاثوليكية للفقراء المحتضرين، اضطررن إلى اللجوء للقضاء. السبب؟ قانون صدر عام 2024 يُلزم مؤسستهن بالتعامل مع المرضى وفق «الهوية الجندرية» المعلنة، سواء في الضمائر أو توزيع الغرف أو استخدام دورات المياه.

القانون المعروف بـ«شرعة حقوق المقيمين في مرافق الرعاية طويلة الأمد من مجتمع الميم»، دفع وزارة الصحة إلى توجيه ثلاث رسائل تحذيرية للدار تطالبها بالامتثال.
لكن بالنسبة للراهبات، المسألة ليست إدارية، بل عقائدية. ففكرة أن بإمكان الإنسان تغيير جنسه البيولوجي تتعارض، ببساطة، مع الإيمان الكاثوليكي. تقول الأم ماري إدوارد، الرئيسة العامة للرهبنة: نحن نخدم مرضى من مختلف الخلفيات والأفكار، ونمنحهم الرعاية بكرامة ومحبة مسيحية، ولم نتلقَّ شكوى واحدة، لكننا لا نستطيع تطبيق هذا القانون دون أن نخالف عقيدتنا.
حاولت الدار، في مارس الماضي، الحصول على استثناء، لكن طلبها قوبل بالصمت، رغم أن الولاية منحت استثناءات لمؤسسات دينية أخرى.
المفارقة المؤلمة أن هذا المكان الذي يضم 42 سريراً ويفصل بين الرجال والنساء في الإقامة، قد يُجبر، بموجب القانون، على إسكان رجل بيولوجي مع نساء، إذا أعلن أنه «امرأة» حتى لو كانت المريضات الأخريات يحتضرن ويرفضن ذلك.

هذه المؤسسة ليست عادية، تأسست عام 1901 على يد ماري ألفونسا، ابنة الروائي الشهير ناثانيال هوثورن، ومنذ أكثر من قرن، تقدّم الرعاية لمرضى السرطان الفقراء في لحظاتهم الأخيرة، بإنسانية وتفانٍ نادرين.
أن يُطلب من هؤلاء الراهبات اليوم تبنّي معايير تتناقض مع رسالتهن، ليس فقط انتهاكاً لحقوقهن الدستورية، بل أمر يصعب وصفه إلا بالعبث.
خذوا مثلاً الدليل الإرشادي الذي تفرضه الولاية على العاملين والمكون من 57 صفحة تركز، في رأيي، على تثبيت «الهويات الجندرية» أكثر مما تركز على رعاية المرضى في نهاية حياتهم.

يُطلب من مقدمي الرعاية ألا يفترضوا هوية أي مريض، بل أن يطرحوا «أسئلة مفتوحة» لفهم كيف يعرّف نفسه، ويُضرب مثال بشخص يُدعى «أليكس»، يوصف بأنه «غير مطابق جندرياً»، يطلب توجيهاً إلى دورة المياه، وعندما يُرشد إلى دورة الرجال، يعبس ويرحل، في إشارة إلى أن «الافتراض» قد يجعل المرضى يشعرون بعدم الأمان.
كما يشدد الدليل على أهمية استخدام الضمائر بوصفها وسيلة «لتأكيد الهوية»، بل ويشجع العاملين على مشاركة ضمائرهم الشخصية.
بالنسبة لي، هذا مرفوض.. هذا النوع من المبالغة الأيديولوجية كان مستفزاً حتى في بيئات الشركات، فكيف حين يُفرض على راهبات كرسن حياتهن لرعاية المحتضرين؟.
كما قال محاميهن: إنهن يرافقن الناس في رحلتهم الأخيرة، ويخدمن الأشد حاجة، ويفعلن ذلك مجاناً، ومع ذلك، يبدو أن «لا عمل خيري يمر دون عقاب» خاصة حين يكون تحت سلطة بيروقراطية حكومية مهووسة بسياسات الهوية.

وزارة الصحة من جانبها تؤكد التزامها بتطبيق القانون الذي يضمن حقوق المقيمين ويحظر التمييز، ومنه ما يكون على أساس الهوية الجندرية، لكن المخالفات قد تؤدي إلى غرامات، أو سحب التراخيص، بل وحتى السجن.
القضية، كما تراها الراهبات، تتجاوز مجرد استخدام «هو» أو «هي»، إنها، في جوهرها، محاولة لفرض رؤية فكرية بعينها، وإجبار الآخرين على تبنّيها.
وفي عالم كهذا، يبدو أن أي صوت مخالف لم يعد مقبولاً.. الجميع مطالب بالانحناء.. حتى الراهبات.
نقلاً عن نيويورك بوست..