منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضمن ملف مؤسسات الأمهات والأطفال في أيرلندا

حين يُعاقب الناجون مرتين.. ثغرة قانونية تضع بريطانية بين العدالة وفقدان الدخل

12 أبريل 2026
الناجيات من العنف والانتهاكات في أيرلندا يواجهن أزمة مالية
الناجيات من العنف والانتهاكات في أيرلندا يواجهن أزمة مالية

تواجه روزماري أداسر، البالغة من العمر 70 عاماً والمقيمة في إيلينغ غرب لندن، وضعاً معقداً يكشف أحد أكثر أوجه العدالة الانتقالية إثارة للجدل في ملف مؤسسات الأمهات والأطفال في أيرلندا، إذ تخسر ما يقارب 1000 جنيه إسترليني شهرياً من إعاناتها إذا قبلت التعويض المخصص للناجين، في حين يحصل شقيقها التوأم المقيم في أيرلندا على المبلغ كاملاً دون أي اقتطاعات، وفق ما نقلته صحيفة “الغارديان”.

تحركت الكاتبة القانونية والمحامية كويلفين غالاغر، المدافعة عن أداسر، لتوصيف الوضع بأنه “انتهاك مؤسسي آخر”، في إشارة إلى استمرار الأثر البنيوي للسياسات التي طالت الناجين، موضحة أن التعويضات المقدمة من حكومة أجنبية تُعامل بوصفها مدخرات مالية داخل نظام الضمان الاجتماعي البريطاني، ما يؤدي إلى خفض الإعانات.

وأوضحت “الغارديان” أن برنامج مدفوعات مؤسسات الأم والطفل الأيرلندية الذي بدأ عام 2024 يهدف لتعويض آلاف الناجين، لكنه يترك أثراً جانبياً غير مقصود يتمثل في خسارة بعض المستفيدين لدعمهم الاجتماعي، ما يخلق تفاوتاً داخل الأسرة الواحدة نفسها بين من يقيم داخل أيرلندا ومن يعيش خارجها.

بداية القصة

بدأت القصة مع روزماري وشقيقها التوأم حين وُلدا في منزل لأم عزباء في بلفاست، لأب غاني وأم أيرلندية تعمل في مستشفى، قبل أن يُنقل التوأمان إلى مؤسسات رعاية في سياق اجتماعي وصفته الصحيفة بأنه “ثيوقراطي” في أيرلندا خلال خمسينيات القرن الماضي، حيث ارتبطت الولادات خارج الزواج بالوصم والإيداع المؤسسي.

استمرت روزماري في تجربة وصفتها بأنها شملت “إذلالاً متواصلاً”، وإساءة وإهمالاً وعملاً قسرياً داخل مؤسسات في دبلن وكيلكيني، قبل أن تُنقل لاحقاً إلى دار أمهات وأطفال بعد حملها في سن السادسة عشرة، حيث فُصلت عن طفلها لفترة قبل أن يُعاد إليها في مرحلة لاحقة من حياتها.

استقرت أداسر لاحقاً في لندن عام 1976 بعد أن نجت من دخول “مغاسل ماجدالين”، وهي مؤسسات دينية/خيرية كانت تُدار غالباً من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وكانت تستقبل فتيات ونساءً يُنظر إليهن اجتماعياً على أنهن خارجات عن المعايير الاجتماعية مثل الحمل خارج الزواج أو الفقر أو غياب الدعم الأسري، وهو ما حدث بعد تدخل زوجين أيرلنديين وصفتهما بأنه “أنقذا حياتها”، بحسب شهادتها المنشورة في “الغارديان”.

أفادت أداسر في حديثها للصحيفة بأنها عاشت سنوات من التمييز في العمل والسكن، قبل أن تتمكن من بناء حياة مهنية بصفتها مديرة إسكان متقاعدة، لكنها اليوم تواجه مأزقاً جديداً يتمثل في الخوف من خسارة استقلالها المعيشي إذا قبلت التعويض المستحق لها.

وتابعت وزارة العمل والمعاشات البريطانية حالة البرنامج الذي يشمل نحو 13 ألف ناجٍ، وسط مخاوف من فقدان الإعانات خلال غياب ضمانات تشريعية فورية.

وأكدت أداسر أن الناجين يعيشون “حالة رعب” من التقدم بطلبات التعويض خوفاً من فقدان الاستحقاقات الاجتماعية، معتبرة أن ذلك يخلق حلقة جديدة من الإقصاء المؤسسي، حيث تتحول العدالة المالية إلى تهديد مباشر للاستقرار المعيشي.

اقتصاد التعويضات

كشفت بيانات وزارة شؤون الأطفال في أيرلندا، وفق ما أوردته صحيفة “آيرش تايمز”، أن برنامج التعويضات الذي بدأ في مارس 2024 تلقى نحو 6998 طلباً، وتم صرف مدفوعات لأكثر من 5000 شخص، بإجمالي بلغ 75.7 مليون يورو، وهو ما يمثل أقل من 10% من الميزانية المخصصة التي تصل إلى 800 مليون يورو.

وأوضحت الأرقام أن قيمة التعويضات تراوحت بين 1500 و65000 يورو، بحسب مدة الإقامة وطبيعة التجربة داخل المؤسسات، ومنها حالات العمل القسري أو الإقامة الطويلة.

وأشارت تقارير رسمية نقلتها “آيرش تايمز” إلى أن شروط الأهلية استبعدت آلاف الناجين، بينهم من قضوا فترات قصيرة داخل المؤسسات أو وُضعوا في رعاية بديلة، إضافة إلى من توفوا قبل اعتذار الدولة عام 2021، ما دفع بعض المتضررين إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد الدولة.

وقالت المدافعة الحكومية الخاصة بضحايا الانتهاكات المؤسسية باتريشيا كاري، بحسب ما نقلته الصحيفة الآيرلندية، إن شروط البرنامج الحالية تخلق “هرمية للمعاناة”، داعية إلى توسيع نطاق التعويضات لتشمل الفئات المستبعدة.

واستمرت روزماري أداسر في المطالبة بحقها في الاعتراف الكامل دون خسائر مالية، في حين أكد شقيقها التوأم أن حصوله على التعويض في أيرلندا منحَه “راحة بال” لا تتوفر لشقيقته في بريطانيا، ما يعكس فجوة قانونية عابرة للحدود داخل عائلة واحدة.

واعتبرت أداسر أن التجربة الحالية تعيد إنتاج “انتهاك مؤسسي آخر”، في إشارة إلى استمرار آثار النظام الذي فصلها عن عائلتها في الطفولة، ثم يضعها اليوم أمام خيار بين العدالة والتخلي عن أمنها المعيشي.

عدالة غير مكتملة

أوضحت وزارة العمل والمعاشات البريطانية، بحسب “الغارديان”، أنها تدرس الوضع، في حين يطالب ناشطون بإقرار “قانون فيلومينا” لحماية الناجين من فقدان الاستحقاقات، إلا أن غياب جدول زمني واضح يترك آلاف الأشخاص في حالة عدم يقين قانوني واجتماعي.

اختتمت القضية بمشهد يعكس تناقضات العدالة الانتقالية، حيث يتحول التعويض من أداة للإنصاف إلى مصدر جديد للحرمان، في ظل نظام لا يزال يعيد توزيع الأثر بدلاً من معالجة جذور الانتهاك.