يواجه أحفاد الأمريكيين الأفارقة في قلب العاصمة واشنطن معركة وجودية جديدة، ليس لاستعادة حقوق الأحياء هذه المرة، بل لإنقاذ كرامة الموتى ورفات الأجداد في مقبرتي “جبل صهيون” و”جمعية فرقة الاتحاد النسائية”.
تنتصب هذه الشواهد المتصدعة والأعشاب المتضخمة بوصفها شاهداً حيّاً على نضال استمر لأكثر من ستة عقود، حيث يسعى المدافعون عن حقوق السود إلى صون أرواح ما لا يقل عن 10 آلاف من المستعبدين والأحرار، مدفونين في أرض كانت يوماً ما محطة رئيسية على طريق “السكك الحديدية السرية” التي سلكها الهاربون من جحيم العبودية نحو الحرية، وذلك وفق ما أوردته صحيفة “واشنطن بوست”.
ويتجول رئيس مجلس إدارة مؤسسة “بلاك جورج تاون”، نيفيل ووترز الثالث، بين شواهد القبور المتداعية، متفقداً تاريخاً يمتد لأكثر من قرنين من الزمان، ومشيراً إلى أن دماءه جزء أصيل من هذا المكان الذي يضم أربعة من أسلافه على الأقل.
ويرى الحقوقيون والمؤرخون أن هذا الموقع المطل على “روك كريك” الذي كان يُعرف بـ “جورج تاون السوداء”، يمثل ذاكرة وطنية تعرضت للإهمال المتعمد، حيث استُخدم قبو من الطوب في الموقع لإخفاء الفارين من العبودية، وتخزين الجثث مؤقتاً في فصول الشتاء القاسية عندما كانت الأرض صلبة لا تسمح بالدفن.
ويقود المدافعون عن التراث حملة شرسة لصد أطماع شركات التطوير العقاري التي حاولت مراراً اقتحام هذا الحي المليء بالقصور الفخمة لتحويل مدافن السود إلى مشروعات سكنية، ونجحوا في وقف أعمال الحفر في أجزاء من الأرض التاريخية.
وتكللت هذه الجهود بالضغط على مقاطعة كولومبيا لتنفيذ مشروع هندسي بقيمة 1.6 مليون دولار أمريكي، يهدف لوقف تآكل التربة وجريان مياه الأمطار الذي تسبب في غرق الشواهد، في محاولة لترميم ما أفسده التهميش الممنهج ضد إرث الأمريكيين الأفارقة، بحسب تفاصيل أوردتها منصة “ناشيونال توداي” الأمريكية.
تستعرض المديرة التنفيذية لمؤسسة “بلاك جورج تاون”، ليزا فاجر، أهداف التحرك الحقوقي الراهن، مؤكدة أن المهمة تتجاوز إنقاذ الأرض إلى نشر الوعي بوجود هذه المواقع في نسيج واشنطن العاصمة وتاريخها.
وتوضح فاجر أن المقابر تروي قصة حقيقية ومؤلمة لم تُدرس في المدارس، مشيرة إلى أن إهمال مقابر السود غالباً ما يكون فعلاً مقصوداً، في حين تصان مقابر البيض المجاورة بعناية فائقة، ما يرسل رسالة سلبية مفادها أن موت السود وذكراهم ليسا بنفس الأهمية، وهي شهادة نقلتها عنها “واشنطن بوست”.
تاريخ خلف القضبان
تأسست مقبرة جبل صهيون في عام 1808 بوصفها مدفناً للميثوديين، لتتبعها في عام 1842 مقبرة جمعية فرقة الاتحاد النسائية التي أنشأتها نساء سوداوات محررات، لترسما معاً مساحة ثلاثة أفدنة في حي “هيرينغ هيل”.
ورغم القيمة التاريخية، أغلقت المدينة الموقع رسمياً في عام 1950 بقرار منع الدفن بسبب الإهمال، بعد أن كانت رئيسة جمعية فرقة الاتحاد النسائية، ماري لوغان جينينغز، آخر من وُوري الثرى هناك.
وشهدت العقود التالية محاولات متكررة لطمس هوية المكان، بدأت باستيلاء الحكومة الأمريكية في ثلاثينيات القرن الماضي على نصف فدان لإنشاء ممر عام، وصولاً إلى نزوح العائلات السوداء قسراً مع موجات التحديث الحضري.
تؤكد سجلات مؤسسة “بلاك جورج تاون” وجود بيانات لما لا يقل عن 4500 شخص مدفونين في الموقع، بينهم شخصيات تاريخية بارزة مثل القس جوزيف كارترايت الذي أصبح من أوائل القساوسة السود المرسمين واشترى حرية عائلته بماله الخاص.
وتضم المقبرة أيضاً رفات بعض من أوائل الرجال السود الذين نالوا حق التصويت في الولايات المتحدة قبل إقرار التعديل الخامس عشر للدستور عام 1870، بالإضافة إلى قبر طفلة تُدعى “ناني” توفيت عام 1856 عن عمر يناهز السابعة، ولا يزال المارة يضعون الألعاب والشموع على قبرها المجهول الكنية تخليداً لذكراها.
تزييف تاريخ العبودية
ينتقد رئيس مجلس إدارة مؤسسة “بلاك جورج تاون”، نيفيل ووترز الثالث، بشدة المحاولات الراهنة لطمس أو تزييف تاريخ العبودية، واصفاً إياها بالمحبطة، ومشدداً على ضرورة رواية هذه القصص البشعة للتعلم منها بدلاً من إخفائها.
يأتي هذا الحراك الحقوقي في وقت تشهد فيه الساحة السياسية مساعيَ لإزالة اللوحات التذكارية المتعلقة بفصول العبودية المظلمة من المواقع الوطنية، ما يجعل من حماية مقابر جورج تاون معركة رمزية للحفاظ على الحقيقة التاريخية في مواجهة سياسات الإقصاء التي تتبعها الإدارات المتعاقبة.
يتذكر عضو مجلس إدارة المؤسسة، فيرنون ريكس البالغ من العمر 87 عاماً، كيف كانت العائلات تصطحبه صغيراً لزيارة المقابر في “يوم التزيين” لوضع الزهور على القبور، معبراً عن ألمه عند مقارنة حال مقابر أجداده بمقبرة “أوك هيل” المخصصة للبيض والمجاورة لها.
ويرى ريكس في تصريحاته لصحيفة “واشنطن بوست” أن الفارق في العناية يمثل “صفعة على الوجه” وكرس فكرة أن دفن السود وصيانتهم ليسا أولوية، وهو ما يفرض واجباً أخلاقياً وحقوقياً على المجتمع لجعل هذه المقابر معروفة ومحترمة بوصفها جزءاً أصيلاً من الثقافة الأمريكية.
حراسة الذاكرة من الاندثار
يستمر العمل الميداني والفعاليات التطوعية لتنظيف المقابر، حيث يحيي المنظمون ذكرى يوم تحرير العبيد في واشنطن العاصمة -16 أبريل- بقراءة أسماء نحو 3100 شخص نالوا حريتهم عام 1862 عقب توقيع الرئيس أبراهام لينكولن على قانون إنهاء العبودية.
ويسعى المدافعون من خلال الجولات والندوات والبحث في قواعد البيانات إلى ربط العائلات الحالية بجذورها، حيث اكتشف الكثيرون صلات قرابة بمدفونين في الموقع، ما يحول القضية من مجرد صيانة لموقع أثري إلى استعادة لإرث عائلي وإنساني منهوب بفعل التحديث الحضري.
أطلقت مؤسسة “بلاك جورج تاون” حملة توعية واسعة النطاق هذا الربيع، مستهدفة الشركات والباحثين والمجموعات الطلابية لتعريفهم بهذه المواقع التي غُيبت عن الوعي العام طويلاً.
تركز الحملة على إبراز قصص شخصيات مثل إليزا ويليامز التي عاشت 111 عاماً، وكليمنت بيكيت الذي وُلد مستعبداً وأصبح عضواً مؤسساً في كنيسة إبينزر، لتأكيد أن هذه المواقع ليست مجرد مدافن، بل هي سجلات حية لإسهامات السود في بناء العاصمة الأمريكية رغم القيود البشعة التي فرضتها مؤسسة العبودية.
تؤكد التقارير المنشورة في منصة “ناشيونال توداي” أن النضال من أجل إنقاذ هذه المقابر يسلط الضوء على الكفاح المستمر للحفاظ على إرث الأمريكيين الأفارقة في مواجهة محاولات التقليل من شأن فصول ماضي الأمة المؤلمة، وتعمل المؤسسة حالياً على تأمين تمويل إضافي يتجاوز مشروع مقاطعة كولومبيا الحالي، لضمان استمرارية الجولات التعليمية وصيانة الشواهد التي أدرجها السجل الوطني للأماكن التاريخية عام 1975، واعتبرتها رابطة الحفاظ على التراث عام 2014 من أكثر المواقع المهددة بالخطر.
ويختتم الرئيس الفخري لمجلس إدارة المؤسسة، فينسنت دي فورست البالغ من العمر 90 عاماً، المشهد برؤية فلسفية مستمدة من حكمة إفريقية، مؤكداً أن وحدة أي شعب تتضاءل إذا لم يُكرم أجداده.
ويشدد دي فورست، المنخرط في جهود الحفاظ منذ عام 1970، على أن التحدي الحقوقي اليوم بات أكبر من أي وقت مضى، خاصة مع تزايد ضغوط المطورين العقاريين، ما يجعل من استمرار المطالبة بالحماية القانونية والمالية ضرورة قصوى لضمان عدم اندثار هذه الذاكرة تحت وطأة الأسمنت أو التجاهل السياسي المتعمد لرفات من صنعوا تاريخ المدينة.
