منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حق مقدس وعبء اقتصادي.. الفلبينيون يواجهون قيوداً على ممارسة شعائرهم الدينية

04 أبريل 2026

دفعت أزمة الوقود المتصاعدة في الفلبين مئات الآلاف من المواطنين إلى إعادة التفكير في طقوسهم الدينية وخططهم العائلية خلال أسبوع الآلام، في مشهد يعكس بوضوح تقاطع الأزمة الاقتصادية مع الممارسة الروحية اليومية

أجبرت موجة الارتفاع الحاد في أسعار البنزين العديد من العائلات على إلغاء أو تقليص رحلات زيارة الكنائس  (Visita Iglesia)، وهو تقليد ديني عريق في الفلبين وأجزاء من أمريكا اللاتينية، حيث يزور الكاثوليك سبع كنائس خلال أسبوع الآلام.

وأكدت عائلة إيف كاستينو-كيلاس، كما ورد في تقرير نشرته اليوم “نيويورك تايمز”، أنها اضطرت لتقديم موعد رحلتها قبل ارتفاع الأسعار، بعدما أصبح التنقل مرتبطا بتكاليف باهظة، وبلغت تكلفة تعبئة الوقود نحو 60 دولارا مقارنة بـ25 دولارا في الظروف العادية، وهو فارق يعكس التحول الحاد في معادلة السفر الديني.

وأوضحت المعطيات أن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود جاء نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، بما في ذلك العمليات العسكرية وتأثيرها على إمدادات النفط العالمية، وهو ما أدى إلى نقص حاد في الأسواق.

طوارئ حكومية

أعلن الرئيس فرديناند ماركوس جونيور حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، في خطوة تعكس حجم الأزمة، بينما أكدت وزيرة الخارجية ماريا تيريزا لازارو أن مخزون البلاد من النفط يكفي فقط لمدة تتراوح بين 40 و45 يوما، محذرة من تداعيات اقتصادية واسعة.

وأفاد التقرير بأن الحكومة اتخذت إجراءات متعددة، شملت تقليص أسبوع العمل، ودعم أسعار الوقود، وتعزيز استيراد الطاقة من مصادر بديلة، في محاولة لاحتواء الأزمة التي تمس القطاعات الحيوية.

وسجلت بيانات النقل انخفاضا ملحوظا في حركة السفر خلال أسبوع الآلام، رغم التوقعات بوصول نحو 5 ملايين مسافر، وأشارت تقارير إلى تراجع واضح في الإقبال على الطرق السريعة، وانخفاض النشاط الاقتصادي في المدن السياحية.

وأوضحت بيانات شركة سان ميغيل المشغلة لمطار مانيلا أن عدد المسافرين المتوقع بلغ 1.35 مليون فقط، وهو رقم يعكس تباطؤا مقارنة بمواسم سابقة، نتيجة ارتفاع تكاليف السفر وتعليق بعض الرحلات.

كما أكدت تقارير “بلومبيرغ” أن العديد من المواطنين قرروا البقاء في منازلهم بدلا من السفر، مثل هيرايا مينديز التي ألغت رحلتها العائلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، في مشهد يتكرر لدى فئات متعددة من المجتمع.

وأوضحت تحليلات نشرتها شبكة “بي بي سي” أن قطاع الطاقة في الفلبين يعتمد بشكل كبير على النفط المستورد، حيث يأتي نحو 30% من الطاقة من هذا المصدر، بينما يعتمد النقل بشكل شبه كامل عليه.

وتتفاقم الأزمة بسبب اعتماد البلاد على تحويلات نحو 2.5 مليون عامل في الخارج، يرسلون حوالي 15 مليار دولار سنويا، وهو ما يجعل الاقتصاد حساسا لأي اضطراب في الأسواق العالمية.

وأكدت التقارير أن نقص الإمدادات في آسيا، إضافة إلى القيود على التصدير، ساهم في ارتفاع أسعار الوقود، لا سيما الديزل ووقود الطائرات، ما زاد من الضغوط على المواطنين.

خطاب حقوق للكنائس

دعا مجلس الكنائس في الفلبين، ممثلا في المطران برنت هاري و. ألاواس، إلى إلغاء الضرائب على الوقود، معتبرا أن هذه الضرائب تزيد من معاناة الفقراء، وطالب بإعادة توجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية.

وفي بيان رسمي تحت عنوان “فكروا في مصلحة الشعب: ألغوا ضريبة الإنتاج وضريبة القيمة المضافة على النفط” أكدالمجلس أن ارتفاع الأسعار ألقى بظلاله على الفئات الأكثر ضعفا، داعيا إلى تدخل حكومي حاسم للحد من الأعباء.

وأشار البيان إلى أن معدل البطالة بلغ 5.8%، أي نحو ثلاثة ملايين شخص، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية قبل حتى اندلاع أزمة الوقود.

وسردت شهادات ميدانية من مواطنين مثل أغنيس أغيلار، العاملة في مركز اتصالات، كيف أصبحت زيارة العائلة مرتبطة بتكاليف باهظة، ما دفعها لتأجيل زيارتها لمسقط رأسها لأول مرة منذ سنوات.

وأوضح القس جيروم سيسيلانو، في كنيسة بمدينة كويزون، أن المواطنين باتوا يعيشون صراعا بين الالتزامات الروحية والضغوط الاقتصادية، داعيا إلى التركيز على المعاني الروحية للصوم بدلا من التكاليف المادية.

وأكدت سيدا كويلاس أن تجربة زيارة الكنائس رغم تكلفتها المرتفعة تمنح شعورا بالتجدد الروحي، لكنها في الوقت ذاته لم تعد خيارا متاحا للجميع، ما يعكس فجوة متزايدة بين الممارسة الدينية والقدرة الاقتصادية.

قضية عدالة اجتماعية

أطلقت بعض البلديات مبادرات رقمية لمساعدة المواطنين على أداء الطقوس دينيا دون الحاجة إلى السفر، عبر أدلة إلكترونية ومسارات محلية لزيارة الكنائس سيرا أو بالدراجة.

كما أعاد مؤتمر الأساقفة الكاثوليك تفعيل خدمات البث المباشر للقداسات عبر الإنترنت، وهو امتداد لتجربة جرى تطويرها خلال جائحة كورونا، في محاولة لتخفيف الضغط عن المواطنين.

وأشار المعلم جايڤي ريسيو إلى أن جوهر العبادة لا يتطلب السفر لمسافات طويلة، بل يمكن تحقيقه بالقرب من المنزل، مؤكدا أن الظروف الحالية تدفع لإعادة تعريف الممارسة الدينية.

وحذر مجلس الكنائس من أن ارتفاع أسعار الوقود ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل قضية عدالة اجتماعية، مؤكدا أن الدعم الحكومي الحالي غير كاف، وأن الحلول المؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.

وشدد البيان على أن استمرار السياسات الحالية دون إصلاحات هيكلية سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين الفئات الاجتماعية، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى تضامن واسع.

ودعا المجلس إلى تحقيق “سلام قائم على العدالة”، مؤكدا أن معالجة الأزمة تتطلب استقرارا سياسيا وإصلاحات اقتصادية، إلى جانب تخفيف التوترات الدولية التي تؤثر على أسواق الطاقة.

صراع عالمي وأثر محلي

أكدت التغطيات أن الأزمة الحالية في الفلبين تعكس ترابط الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تأثيرات مباشرة على دول بعيدة جغرافيا، لكنها تعتمد على النفط بشكل كبير.

وربطت التحليلات بين الارتفاع العالمي في أسعار النفط وبين القيود على الإمدادات، ما أدى إلى ضغط إضافي على الاقتصادات النامية، وفي مقدمتها الفلبين.

وأبرزت الأزمة أن طقسا دينيا بسيطا مثل زيارة الكنائس أصبح مرتبطا بقدرة المواطن على تحمل تكاليف الوقود، ما يعكس تحولا عميقا في العلاقة بين الاقتصاد والممارسة الروحية.

وأظهرت المعطيات أن الفلبين تقف اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع الأزمات العالمية، في وقت تتقاطع فيه احتياجات الإنسان الأساسية مع قيمه الروحية وحقه فى ممارسة الشعائر الدينية، ضمن واقع يفرض إعادة النظر في العدالة الاقتصادية والاجتماعية.