منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حقوق الإنسان في مرمى النزاعات.. كيف أصبحت دول غير منخرطة جزءاً من ساحة الصراع؟

12 أبريل 2026
قوبلت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن بإدانات دولية واسعة
قوبلت الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن بإدانات دولية واسعة

صفر- أمل العمر

لم تعد تداعيات النزاع في الشرق الأوسط محصورة بين أطرافه المباشرة، بل امتدت لتضع دولا خارج المعركة في قلب الخطر، فمرور الصواريخ واعتراضها في أجواء مدنية لم يعد حدثًا عابرا، بل واقعاً يومياً يطرح سؤالًا أعمق؛ هل لا تزال هذه الدول خارج النزاع، أم أصبحت جزءا من تداعياته الأمنية والحقوقية؟

منذ 28 فبراير الماضي، وحتى إعلان الهدنة، تصاعدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية باتجاه دول الخليج والأردن بشكل ملحوظ، في سياق تصعيد إقليمي أوسع، وتشير بيانات رسمية متعددة إلى إطلاق ما لا يقل عن 5,655 صاروخا وطائرة مسيّرة خلال تلك الفترة، والتي أطلقت من إيران عبر أجواء الأردن والخليج، تم اعتراض معظمها، إلا أن بقاياها سقطت في مناطق مدنية، مسببة إصابات وأضرارا في البنية التحتية.

وتعرضت دول الخليج والأردن إلى اعتداءات إيرانية متكررة وغير مبررة منذ 28 فبراير الماضي، وتم التصدي لمعظمها، وعلى الرغم من ذلك تم تسجيل قتلى وجرحى نتيجة سقوط الشظايا في مناطق سكنية.

ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي، فإن هذه الوقائع تكشف أن الخطر لم يعد نظريا، بل أصبح يمتد فعليا إلى المجال المدني، ما يضع السكان أمام تهديد مباشر رغم عدم انخراط دولهم في النزاع.

السيادة تحت الاختبار

يطرح هذا الواقع تحديا مباشرا لمبدأ سيادة الدول على أجوائها، وهو إحدى الركائز الأساسية في القانون الدولي، فوفق قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، تلتزم الأطراف المتحاربة بتجنب تعريض المدنيين للخطر، بما في ذلك عدم نقل العمليات العسكرية إلى مناطق مدنية أو أجواء دول غير منخرطة في النزاع.

إلا أن الوقائع تشير إلى فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق، حيث يتعرض المدنيون فعليا لمخاطر نتيجة مرور الصواريخ واعتراضها، ما يثير تساؤلات حول مسؤولية الأطراف المتحاربة ومدى التزامها بهذه القواعد.

ولا يقتصر التهديد على الصواريخ نفسها، بل يمتد إلى عمليات الاعتراض الجوي، التي قد تتحول إلى مصدر خطر نتيجة سقوط الشظايا أو بقايا الصواريخ في مناطق مأهولة.

وفي هذا السياق، يجد المدنيون أنفسهم في بيئة غير مستقرة، حيث يمكن أن تتحول السماء إلى مصدر تهديد غير متوقع، ما يمس بشكل مباشر الحق في الأمان الشخصي والشعور بالاستقرار.

على المستوى الدولي، قوبلت الهجمات الإيرانية على دول الخليج بإدانة سياسية وحقوقية واضحة، بعدما اعتبرها مجلس الأمن في قراره 2817 (2026) “هجمات شنيعة” على البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، وأدان على نحو خاص استهداف المناطق السكنية والأعيان المدنية وما نجم عنه من خسائر بشرية وأضرار مادية.

وأعلن مجلس التعاون الخليجي في اجتماعه الاستثنائي في 1 مارس الماضي، أن الضربات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية استهدفت منشآت مدنية وخدمية ومناطق سكنية، واعتبرها انتهاكًا خطيرًا لسيادة الدول الأعضاء وخرقًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مؤكدًا أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية يشكل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.

كما فتح مجلس حقوق الإنسان الدولي نقاشًا عاجلًا حول “الآثار الحقوقية للهجمات الإيرانية غير المبررة على دول الخليج والأردن”، وأيد الاتحاد الأوروبي القرار الذي أدان هذه الهجمات ودعا إلى وقفها.

ومن الناحية القانونية، فإن المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تحظر على الدول التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وتلزمها بتسوية النزاعات سلميًا، بينما يفرض القانون الدولي الإنساني مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر توجيه الهجمات إلى البنى المدنية أو إلى المنشآت الحيوية التي يعتمد عليها السكان، مثل المطارات المدنية والموانئ ومحطات التحلية والطاقة والمناطق السكنية.

وقد شدد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك على أن كثيرًا من هذه الضربات يثير “مخاوف جدية” بموجب القانون الدولي، لأن القانون يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم التحتية، أو تلك التي تُلحق بالمدنيين أضرارًا غير متناسبة حتى عندما يكون هناك هدف عسكري.

النزاع يتجاوز حدوده التقليدية

لا تعكس الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن امتدادا عرضيا للنزاع، بل تحوّل في طبيعته، حيث لم يعد محصورا جغرافيا بين أطرافه، بل بات يتقاطع مع أجواء دول أخرى، ما ينقل تأثيره إلى مجتمعات لم تكن طرفا فيه.

في هذا السياق، يوضح عامر السبايلة، أن ما يحدث لا يمثل مجرد امتداد جغرافي للنزاع، بل تحول في طبيعته، حيث تجد دول لم تنخرط في الصراع نفسها داخل دائرة المخاطر الأمنية بشكل مباشر.

ويشير السبايلة في حديثه لمنصة “صفر”، إلى أن هذه الدول لم تختَر أن تكون طرفًا، لكن النزاع فُرض عليها نتيجة انتقال الاستهداف إلى أجوائها المدنية وبناها الحيوية، ما ينعكس مباشرة على أجنداتها الأمنية والسياسية.

وبحسب السبايلة، لم يعد الحياد التقليدي كافيا، إذ تضطر هذه الدول تدريجيا إلى الخروج من موقع الدفاع البحت، نحو أدوار أوسع تشمل التعامل مع مصادر التهديد قبل وصولها، وهو ما قد يفرض تحولات في سياساتها الإقليمية.

ويلفت إلى أن المرحلة المقبلة ستطرح تحديات سياسية تتعلق بطبيعة العلاقة مع إيران، ومع الأطراف الداعمة لها، إضافة إلى دور المجتمع الدولي، الذي بات مطالبا باتخاذ مواقف أكثر وضوحا في ما يتعلق بحماية الأجواء المدنية وضمان سلامة السكان في الدول غير المنخرطة في النزاع.

حماية المدنيين

ومن جانبه، يؤكد الباحث القانوني الدكتور فيصل العبداللات لـ”صفر”، أن حماية المواطنين في الدول غير المنخرطة مباشرة في النزاعات المسلحة تبقى مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، استنادا إلى دساتيرها الوطنية والتزاماتها في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وبالنسبة للعبداللات فإن الحماية تشمل ضمان الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة، والأمن الشخصي، والصحة، والغذاء، من خلال تبني إجراءات عملية مثل وضع خطط الطوارئ والإجلاء، وتعزيز الأمن الداخلي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

ويوضح العبداللات أن المواطنين يمكنهم اللجوء إلى القضاء الوطني في حال وجود تقصير في حمايتهم، كما يمكن في بعض الحالات التوجه إلى آليات دولية، مثل لجان حقوق الإنسان أو المحاكم الإقليمية، للمطالبة بالإنصاف.

آليات القانون الدولي

ورغم أن القانون الدولي الإنساني يطبق أساسًا على أطراف النزاع، فإن له تأثيراً غير مباشر على حماية الدول المجاورة، من خلال فرض قواعد تحدّ من نطاق العمليات العسكرية، وتلزم بالتمييز بين المدنيين والعسكريين، وتحظر الهجمات العشوائية.

ويشير العبداللات إلى أن القانون الدولي يكرّس مبدأ أساسيًا يتمثل في عدم جواز استخدام إقليم الدولة بطريقة تلحق الضرر بدول أخرى، ما يفتح المجال لتحميل المسؤولية في حال امتداد آثار العمليات العسكرية إلى دول غير مشاركة في النزاع، لكنه يظل محدود الفعالية ما لم يُدعّم بآليات تنفيذ حقيقية وضمانات للمساءلة الدولية.

وبحسب قواعد القانون الدولي، فإن أي فعل غير مشروع دوليا يترتب عليه التزام بوقف الانتهاك، وتقديم تعويضات، والعمل على إصلاح الضرر، وهو ما يمنح الدول المتضررة أساسا قانونيا للمطالبة بحقوقها.

يقول العبداللات: “الجرائم الجسيمة، مثل استهداف المدنيين أو استخدام أسلحة محظورة، قد تندرج ضمن اختصاص القضاء الجنائي الدولي، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية، لمحاسبة المسؤولين عنها”، ملمحاً إلى دور مجلس الأمن في التعامل مع هذه الانتهاكات، من خلال إصدار قرارات لوقف التصعيد، أو فرض عقوبات، أو تشكيل لجان تحقيق دولية.

ويوفر القانون الدولي إطارا قانونيًا متكاملًا يهدف إلى حماية المدنيين والحد من آثار النزاعات، من خلال قواعد واضحة وآليات متعددة للمساءلة، إلا أن التطبيق العملي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف تنفيذ القواعد، وتأثير الاعتبارات السياسية، وصعوبة مساءلة بعض الدول، خاصة في ظل توازنات القوى الدولية، حسب ما يرى العبداللات.