منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حذّرنا من “المانوسفير” منذ عقود لكن لا أحد يستمع

13 أبريل 2026
هاريسون سوليفان، المعروف باسم HSTikkyTokky، في برنامج «لويس ثيرو: داخل المانوسفير».
هاريسون سوليفان، المعروف باسم HSTikkyTokky، في برنامج «لويس ثيرو: داخل المانوسفير».

لوري بيني

لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت حتى نتعامل مع كراهية النساء بوصفها قضية سياسية؟
لقد كان “المانوسفير” الحديث ينمو ويتضخم لسنوات طويلة، في حين اكتفت الثقافة السائدة بهزّ كتفيها في عجز. لم يكن إيذاء الرجال للنساء أمراً استثنائياً، حتى لو كانت الأدوات جديدة.

في أوائل الألفية، بدأ رجال غاضبون ومعزولون يمارسون كراهية النساء بوصفها نوعاً من “الترفيه” عبر الإنترنت، ينهالون على النساء والفتيات في المجال العام بالتهديدات والإهانات والتحرش والاختراقات، بل وحتى نشر مواد انتقامية بغيضة.
ورغم غرابة الأمر اليوم، كان يُنظر إلى “الإنترنت” آنذاك كأنه شيء منفصل عن “الحياة الواقعية”.

هذا بالضبط ما قيل لي عندما ذهبت إلى الشرطة لأول مرة بسبب تهديدات بالقتل تلقيتها وأنا كاتبة شابة، قيل لي إنه لا يمكن فعل شيء، لأن ما يحدث على وسائل التواصل ليس حقيقياً. إذا لم يعجبني الأمر، فعليّ ببساطة أن أغادر الإنترنت.
لكننا، نحن اللواتي كنا أهدافاً مبكرة لما سيُعرف لاحقاً بالمانوسفير، لم نملك رفاهية التجاهل، كنا نرى بوضوح أن هذا شيء جديد وخطير، وندرك كيف يمكن أن تتصاعد هذه الأساليب وتنتشر.

وهذا ما حدث بالفعل.. ففي عام 2014 لفت الإرهابي إليوت رودجر أنظار العالم إلى ظاهرة “الإنسلز” -رجال شبان متطرفون بدافع الغضب الجنسي- بعد أن قتل ستة أشخاص.
وبعدها بثلاثة أشهر، انفجرت فضيحة “غيمرغيت”، في موجة عالمية من التحرش استهدفت النساء في صناعة ألعاب الفيديو.

بدأت القصة بهجوم شخصي على المطورة زوي كوين من شريك سابق، لكنها تحولت إلى حملة كراهية واسعة جذبت آلاف الغاضبين من دخول النساء إلى مجال اعتبروه “ملكاً خاصاً” لهم.

على منصات مثل “فور تشان”، نُسّقت حملات إساءة جماعية تحت غطاء “الأخلاقيات الصحفية”، واضطرت كوين وغيرُها إلى مغادرة منازلهن، لكن العاصفة كانت قد خرجت عن السيطرة.

خلال السنوات التالية، ومع استمرار “الإنسلز” في ارتكاب جرائم قتل جماعي، تحولت كل الصناعات الثقافية -من الكوميكس إلى السينما- إلى ساحات حصار من قبل جيوش من المتحرشين، يقدمون أنفسهم بوصفهم “متمردين” ضد ما يسمونه “عدالة اجتماعية متطرفة”، وكلما أفلتوا من العقاب، تعاملوا مع الأمر كأنه لعبة.

لقد جمعت “غيمرغيت” خيوط ما نسميه اليوم “المانوسفير”، من مدربي الإغواء المحتالين، إلى القوميين المسيحيين، إلى “الإنسلز” الحاقدين، إلى جماهير غاضبة ترى نفسها ضحية دائمة.
تبلورت هذه الفوضى في أيديولوجيا قائمة على “الاستحقاق الغاضب”، بلغة خاصة -مثل “الحبة الحمراء” و“الخروج من المصفوفة”- ومنطق يرى الرجال أبطالاً مضطهدين في مواجهة “قوة النساء”.

لقد جرى توجيه غضب رجال تخلّى عنهم الاقتصاد الحديث نحو قضية واحدة، كانت جاهزة للاستغلال من أسوأ الأطراف.

في تلك الأثناء، استمر الإعلام التقليدي في التقليل من شأن الظاهرة، لكن اليمين المتطرف لم يقع في هذا الخطأ.
كانت “غيمرغيت” بمنزلة مختبر دعائي لنجوم اليمين البديل، وعلى رأسهم ستيف بانون الذي أدرك مبكراً إمكانات هذه الجماعات، قبل أن يقود حملة دونالد ترامب الأولى.

وبالنظر إلى الوراء، يبدو مذهلاً كيف جرى تطبيع كل هذا.. كان من غير المتصور أن يُعد العنف ضد النساء أزمة، إلا إذا أمكن توظيفه سياسياً ضد مهاجرين أو متحولين جنسياً.
وعندما حاولت النسويات دق ناقوس الخطر، قيل لنا إننا نبالغ، أو إننا “لا نتحمل المزاح”.

الحجج نفسها استُخدمت لاحقاً لتجاهل صعود التيار الشعبوي، حتى أصبح واقعاً.
الأساليب التي جُرّبت ضد النساء والسود والمثليين في منتصف العقد الماضي، أُعيد استخدامها في حركات اليمين المتطرف عالمياً، في حين ظل رد الفعل الرسمي متردداً، خائفاً من اتخاذ موقف واضح.

ومع دخولنا العقد الثالث من القرن، توسّع المانوسفير أكثر، وبدأ يدفع أتباعه نحو أفكار أكثر تطرفاً وعنصرية.
وفي مفارقة لافتة، صار يُنظر إلى المدافعين عن العدالة الاجتماعية بوصفهم خطراً، في حين تُترك كراهية النساء تتضخم بلا مساءلة.

اليوم، لم يعد أحد يتعامل مع الأمر كأنه مزحة.
الرئيس دونالد ترامب يخاطب هذا التيار علناً، وجيل كامل من الشباب ينزلق نحو اليمين المتطرف.
هناك خط واضح يربط بين فوضى “غيمرغيت” وبين منظومات الهيمنة الذكورية التي تبيع أتباعها وهم السيطرة على عالم تُختزل فيه النساء إلى “شخصيات ثانوية”.

كثير من الشباب نشؤوا في ظل هذه الكراهية المُسلّحة، وكذلك الشابات.
وهذه الأيديولوجيا لا تزال تنخر في قلب السلطة.

قبل أسابيع، سخر مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر من مسلسل “ستار تريك” بدعوى “تنوعه الزائد”، وسارع إيلون ماسك إلى تأييده.
قد يبدو الأمر مثيراً للسخرية، لكن الحقيقة أعمق: حتى بعد وصولهم إلى قمة النفوذ، لا يزال هؤلاء غير راضين، ولا يزالون يطالبون العالم بأن يدور وفق نزواتهم.

وسيستمرون في ذلك.. إلى أن نقرر نحن، أخيراً، التوقف عن التسامح مع هذا العبث.

نقلاً عن الجارديان