فرانسيس رايان*
ألقِ نظرة على الصفحات الأولى للصحف أو افتح أحد تطبيقات الأخبار خلال الأيام المقبلة، وستجد على الأرجح أبرز الأحداث التي تواجه بريطانيا، لكن هناك قضية قد تمر بهدوء دون أن يلاحظها كثيرون، وهي أنه اعتباراً من الأسبوع المقبل، قد يجد ما يقرب من ثلاثة أرباع مليون من أشد المرضى وذوي الإعاقة في البلاد أنفسهم أمام خفض إعانة حيوية إلى النصف.
عد بذاكرتك إلى الصيف الماضي، بينما كانت البلاد تعاني من موجة حر وعادت فرقة “أواسيس” إلى الواجهة، كان الوزراء يحاولون تمرير ما سموه “إصلاحات الرعاية الاجتماعية”، وهو تعبير لطيف لإخفاء تخفيضات بقيمة 5 مليارات جنيه استرليني من إعانات الإعاقة.
تمرد داخل البرلمان أجبر كير ستارمر على التراجع عن تعديلاته على مدفوعات الاستقلال الشخصي (PIP)، لكن النواب وافقوا في المقابل على خفض قاسٍ في الائتمان الشامل. وقد برر الوزراء تقليص الدعم للأشخاص غير القادرين على العمل بسبب المرض أو الإعاقة بأنه سيقضي على “الحوافز المعكوسة” التي تثني عن العمل، وكأن شاباً في العشرينات طريح الفراش بسبب مرض مزمن يحتاج فقط إلى “تحفيز” للعودة إلى موقع البناء.
بعد تسعة أشهر، يبدأ تنفيذ هذا التغيير، على الورق، يبدو الأمر مجرد مصطلحات بيروقراطية، فالمتقدمون الجدد الذين تمنعهم إعاقتهم من العمل أو حتى الاستعداد له سيشهدون خفض الدعم الإضافي في الائتمان الشامل المعروف باسم “عنصر الصحة” إلى 50 جنيهاً أسبوعياً، مع تجميده بعد ذلك، ولن يُستثنى من هذا إلا من تنطبق عليهم معايير صارمة ومثيرة للجدل مثل الإصابة بمرض عضال أو حالة “شديدة” و”مدى الحياة”.
لكن ما إن نتجاوز التفاصيل التقنية، حتى يظهر الأثر الإنساني بوضوح: أشخاص يعانون يومياً أعراضاً منهكة، ويكافحون بالفعل لدفع فواتيرهم، ستزداد حياتهم صعوبة، دون أي أفق حقيقي للعمل.
أخبرتني جمعيات خيرية ومنظمات معنية بذوي الإعاقة أنها تخشى أن تدفع هذه التغييرات الناس إلى ضائقة مالية حادة، بل وحتى إلى الفقر المدقع. وكما حذر صمويل توماس من منظمة مكافحة الفقر “Z2K” هذا الأسبوع: “الأسر التي ستفقد هذا الدخل الحيوي قد تواجه خطر الإخلاء، والحرمان من الغذاء والتدفئة، وفقدان الرعاية التي تعتمد عليها”.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة، لأن الخفض سيطبق على المتقدمين الجدد دون الحاليين، فإن من يتقدم بطلب المساعدة يوم الاثنين المقبل سيخسر في المتوسط نحو 3 آلاف جنيه سنوياً بحلول نهاية العقد مقارنة بمن تقدم هذا الأسبوع. هل تقلق بشأن سداد قرضك العقاري أثناء مرضك؟ كان عليك على ما يبدو أن تختار توقيت إصابتك بعناية كبرى.
غالباً ما تبدو تخفيضات إعانات الإعاقة وكأنها مشكلة تخص “الآخرين”، بينما نشعر جميعاً بتأثير قوائم انتظار هيئة الصحة أو تدهور المدارس، قلّما يتابع معظمنا أخبار إعانات المرض. بطبيعتنا، لا نقضي حياتنا قلقين من متى ستصيبنا النكبات، لكن حقيقة أن التغيير سيطول “المتقدمين الجدد” فقط تكشف الأمر بوضوح: أي شخص يمكن أن يصبح معوقاً أو مريضاً في أي وقت” ومع كل تقليص لشبكة الأمان الاجتماعي، لا نعرف من الذي سيسقط منها، نحن أم أحد أحبائنا أم شخص غريب.
حاول الآن قراءة الفقرة الأولى مجدداً: ما يقرب من ثلاثة أرباع مليون شخص قد “ينتهي بهم الأمر” إلى خفض إعاناتهم، هذا لا يعني فقراً فورياً مع دقات منتصف الليل، ولا نعرف بعد من سيقع عليه العبء تحديداً.
فوفقاً لبيانات الحكومة نفسها، سيُحرم نحو 730 ألف “مستفيد مستقبلي” من المعدل الأعلى للإعانة بحلول 2029-2030. هؤلاء قد يكونون سائق توصيل لم يتعرض بعد للحادث الذي سيشل حركته، أو معلمة تحت التدريب ستُشخّص لاحقاً باضطراب ثنائي القطب، أو ممرضة أصيبت بسعال سيتحول إلى “كوفيد طويل”، وقد يكونون أيضاً أشخاصاً مرضى بالفعل لكنهم لم يتقدموا بعد للحصول على الإعانات، لأن كثيراً من ذوي الإعاقة يواصلون العمل رغم الألم ما استطاعوا.
في الوقت نفسه، وبينما يُخفض جزء من الائتمان الشامل لمن لا يستطيعون العمل، سيزداد “البدل الأساسي” الذي يحصل عليه جميع المستفيدين، ومنهم القادرون على العمل، وهي رسالة واضحة من الحكومة حول من يُحتسب ومن لا.
وليس حزب العمال وحده في هذا النهج، فليس من قبيل المصادفة أن خطط خفض إعانات الاستقلال الشخصي أثارت غضباً واسعاً، في حين مر خفض إعانات المرض في الائتمان الشامل بصمت نسبي.
كما هي الحال مع كثير من الأقليات، هناك في نظر السياسة والإعلام “ذوو إعاقة جيدون” و”سيئون” يُقاسون بمدى إسهامهم في الخزانة أو اعتمادهم عليها.
لا تتوقع ردود فعل قوية هذا الأسبوع مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد البطالة، لن يكسب السياسيون نقاطاً بالدفاع عن من لا يستطيعون العمل، بل إن الوزراء يدرسون حالياً إلزام ذوي الإعاقة دون 24 عاماً بمحاولة العمل قبل استحقاق الإعانات، وربما منع من هم دون 22 عاماً من الحصول على “عنصر الصحة” بالكامل. اليوم يُقيد الدعم وفق توقيت المرض، وغداً قد يُقيد وفق سنة الميلاد.
يمكن أن تكون حقيقتان صحيحتين في آن واحد: فاتورة الإعانات ترتفع، لكن من لا يستطيعون العمل بسبب صحتهم يستحقون دعماً يضمن لهم حياة كريمة.
يمكن لبريطانيا أن تخفض الأموال اللازمة للطعام والإيجار، أو أن تخوض نقاشاً جاداً حول كيفية التوفيق بين مجتمع يشيخ ويزداد مرضاً، وبين التكاليف والمسؤوليات المترتبة على ذلك.
هذا يتطلب تغييرات عميقة: الاستثمار في الصحة النفسية والرعاية الوقائية، إصلاح برامج دعم العمل، تحميل أصحاب العمل مسؤولية كبرى، بل وفرض ضرائب على الثروة لمعالجة التفاوت، لا أحد يدّعي أن ذلك سهل، لكنه ضروري لضمان بقاء شبكة الأمان الاجتماعي.
الحقيقة غير المعلنة هي أن أياً منا قد يحتاجها يوماً ما.
*كاتبة عمود في “الغارديان”، ومؤلفة كتاب “من يريد أن يكون طبيعياً؟ دروس حياة من نساء من ذوات الإعاقة”.
نقلاً عن الجارديان
