منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تحت وطأة الحداثة.. الأفران التقليدية في فاس تراث يختفي

04 أبريل 2026
أحد الأفران التقليدية في المغرب
أحد الأفران التقليدية في المغرب

في قلب مدينة فاس تظل الأفران التقليدية رمزاً حياً للتراث المغربي، تحمل بين جدرانها حرارة التاريخ وحرفية تناقلتها الأجيال على مدار عقود من الزمن، وعلى الرغم من التحديات العصرية والتطور السريع للبنى الحضرية، تواصل بعض هذه الأفران إشعال نارها وتقديم الخبز التقليدي لتبقى جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان والزوار على حد سواء.

تعود الأفران التقليدية بفاس إلى قرون مضت، حيث كانت ولا تزال محوراً اجتماعياً وثقافياً مهماً، فهي ليست مجرد أماكن لإعداد الخبز، بل تشكل فضاءات تلتقي فيها العائلات والجيران، وتتنقل فيها الحكايات والممارسات التقليدية من جيل إلى جيل آخر.

في قلب فاس، المدينة العتيقة التي صنفتها اليونسكو تراثاً عالمياً، ما زالت بعض الأفران التقليدية تقاوم الزمن، محافظة على طقوس خبز عمرها قرون، هذه الأفران التي كانت مركزاً اجتماعياً واقتصادياً لكل حي، تواجه اليوم خطر الانقراض نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع اليد العاملة، وتنافس المخابز العصرية، وضعف الدعم الرسمي.

تراجع ملموس

تشير الدراسات الوطنية إلى أن المغرب يضم نحو 432 مخبزة، منها 254 مخبزاً تقليدياً، أي نحو 59% من القطاع، وفق دراسة علمية حول المخابز التقليدية وفي جهة فاس-مكناس، تشكل هذه الأفران حوالي 7% من إجمالي المخابز الوطنية، لكنها تمثل اليد العاملة التقليدية فقط، حيث يقدر عدد العاملين في المخابز التقليدية في الجهة بحوالي 132 عاملاً موزعين على 24 تعاونية للحرف الغذائية التقليدية بحسب المندوبية السامية للتخطيط.

وتكشف هذه الأرقام عن محدودية حجم المهنة، خاصة بالمقارنة مع الماضي، حيث كانت الأفران التقليدية موجودة في كل حي تقريباً، وكان نشاطها يغطي كل احتياجات السكان المحليين.

المنافسة مع الحداثة

أحد أسباب التراجع السريع للأفران التقليدية في المغرب هو منافسة المخابز الحديثة، وهذه الأخيرة تعتمد على الغاز أو الكهرباء، وتتيح إنتاجاً أكبر وبكلفة أقل، مقارنة بالأفران التقليدية التي تعتمد على الحطب وتستهلك وقتاً طويلاً في التحضير والخَبز.

ويؤدي هذا الفارق في الإنتاجية والتكلفة إلى ضعف قدرة الأفران التقليدية على المنافسة، ما يجعل استمرارها صعباً دون دعم خارجي أو تحويلها إلى نشاط سياحي.

مخبز تقليدي في مدينة فاس

الحطب والانبعاثات

تعتمد الأفران التقليدية على الحطب، ما يطرح تحديات بيئية عدة، إذ يشير تقرير لوزارة الصناعة التقليدية المغربية حول الصناعات التقليدية في المملكة إلى أن الاعتماد المكثف على الحطب يزيد من الضغط على الموارد الغابية المحلية ويؤدي إلى انبعاثات عالية من ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بالمخابز الحديثة وهذا البعد البيئي أصبح أحد المعوقات أمام الحفاظ على الأفران التقليدية، خاصة في ظل قوانين حماية الغابات والتنمية المستدامة، والتي تحد من قطع الحطب بطريقة غير منظمة.

الفرن عنصر ثقافي

الأفران التقليدية ليست مجرد أماكن لإعداد الخبز، بل تمثل جزءاً من التراث المادي واللامادي لمدينة فاس، وتصنف المدينة العتيقة ضمن مواقع التراث العالمي وفق اليونسكو، ويعد وجود الأفران التقليدية جزءاً من هذا التراث، حيث تعكس الممارسات التقليدية للخبز أساليب العيش والتاريخ المحلي، وبالتالي، تراجع هذه المهنة يعني فقدان جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، وتهديداً لموروث ثقافي عمره قرون.

دعم محدود وإجراءات غير كافية

على الرغم من الاعتراف بأهمية الأفران التقليدية، تشير تقارير وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي في المغرب إلى أن الدعم العمومي لا يزال محدوداً، فبرامج التمويل والتكوين لا تشمل جميع الأفران، وتركز على بعض التجمعات الحرفية في المدن الكبرى كما أن إدماج الأفران في المشاريع السياحية يتم بشكل انتقائي، ولا يشمل معظم الأحياء الشعبية في فاس، ما يجعل استمرار المهنة رهيناً بالاقتصاد المحلي وقدرة الأسر على تحمل كلفة التشغيل اليدوي وصعوبة المنافسة.

تراجع الأفران التقليدية

وفق المديرية الجهوية للصناعة التقليدية كانت الأفران التقليدية قبل عام 2000 متوفرة في كل حي وتغطي كامل احتياجات السكان وفي الفترة بين 2010–2015 كانت بداية تراجع ملحوظ نتيجة دخول المخابز العصرية وفي عام 2020 بدأت أغلب الأفران القديمة تغلق أبوابها بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وقلة اليد العاملة، وفي عام 2025 واجهت المهنة خطر الانقراض مع انخفاض عدد الأفران التقليدية في فاس إلى أقل من 20 فرناً تقريباً.

السياحة فرصة لإنقاذ المهنة

بدأت بعض الأفران في فاس بالتحول إلى نقاط جذب سياحي، حيث يقدم أصحابها عروضاً تعليمية وتجريبية للزوار لتوضيح طرق إعداد الخبز التقليدي وهذا التوجه يُعد فرصة لإعادة الحياة لهذه المهنة، لكنه يظل محدوداً ولا يشمل الأفران الواقعة في الأحياء الأقل زيارة، وبالتالي لا يضمن استدامتها بشكل كامل.

وفي هذا السياق، قالت مجلة “ترافل آند توريزم وورلد” المتخصصة في السفر والسياحة، إن المغرب انضم إلى قائمة الدول التي تعتمد على “سياحة المخابز” لجذب السائحين الأجانب.

وأوضحت المجلة، أن المغرب انضم إلى قائمة دول كبرى مثل اليابان، الولايات المتحدة، البرتغال، تركيا، ألمانيا، والأرجنتين، بوصفه إحدى الدول الفاعلة في رسم ملامح “سياحة المخابز” التي أصبحت توجهاً سياحياً عالمياً جديداً، لافتة أن هذه الدول تستثمر في جاذبية الخبز الطازج والمعجنات التراثية لتعزيز جاذبيتها السياحية، وتحويل المخابز التقليدية إلى وجهات ثقافية يقصدها السياح من مختلف أنحاء العالم.

بحسب المجلة فإن “سياحة المخابز” لم تعد مجرد نشاط متخصص لفئة من محبي الطعام، بل أصبحت محركاً اقتصادياً وثقافياً واعداً، حيث تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز الروابط بين الثقافات.

تكشف أزمة الأفران التقليدية في فاس بحسب اليونسكو عن الصراع بين الحفاظ على التراث والتحولات الاقتصادية والاجتماعية واستمرار هذه المهنة يعتمد على تدخلات مدروسة، تشمل: دعماً مالياً، وتشجيع الحرفيين، وإدماج الأفران في مشاريع سياحية وثقافية، وتحديث بعض العمليات دون المساس بالهوية التقليدية، إذ إن اختفاء الأفران التقليدية لا يعني مجرد نهاية حرفة، بل فقدان جزء من روح مدينة فاس وتراثها الثقافي والاجتماعي الذي امتد لقرون.