منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين فواتير الكهرباء والشموع.. الظلام ينتزع الحق في الطاقة بلبنان

02 أبريل 2026
تحصل بعض المنازل اللبنانية خلال اليوم على معدل يتراوح بين 4 و6 ساعات كهرباء يوميًا كمعدل عام
تحصل بعض المنازل اللبنانية خلال اليوم على معدل يتراوح بين 4 و6 ساعات كهرباء يوميًا كمعدل عام

بعد أن كانت تُضرب بها الأمثال في الأضواء والسهر والحياة، صارت شوارع بيروت ساحة مظلمة تطغى على البيوت وواجهات المحال التجارية، وكأن المدينة كلها أطفأ قلبها دفعة واحدة، تاركة الناس يمشون على ضوء هواتفهم، ويتحسسون طريقهم في وطن يتآكل نوره قبل أن يتآكل صبره، ويحصي سكانه ساعات الكهرباء كما يحصون فرص النجاة.

ولم تعد الكهرباء خدمة عامة في لبنان، بل أصبحت أشبه بالمعركة اليومية التي يخوضها المواطن في سبيل البقاء، وهي معركة بين فاتورتين إحداها فاتورة الدولة الغائبة، وفاتورة المولد الكهربائي التي تبتلع ما تبقى من الدخول، تاركة عشرات الآلاف على أعتاب العتمة والفقر.

وتحصل بعض المنازل اللبنانية خلال اليوم على معدل يتراوح بين 4 و6 ساعات كهرباء يوميًا كمعدل عام، وفي بعض المناطق لا تتجاوز الساعتين، إذ يواجه قطاع الكهرباء عدة تحديات تعوق قدرة البلاد على تأمين الخدمة على مدار الساعة، ما يدفع غالبية المواطنين إلى الاستعانة بالمولدات الخاصة التي تعمل بالديزل من أجل إنارة المنازل أو المنشآت.

وأدى الانهيار إلى ارتفاع تكاليف الاشتراك بمولدات القطاع الخاص بنسبة تراوح بين 350% و500% خلال السنوات الأربع الماضية، حيث تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن حجم إنفاق المواطن اللبناني على الكهرباء الخاصة يبلغ نحو 40% من دخله سنويًا، وهي نسبة تُعد الأعلى في المنطقة.

ورغم إطلاق خطط حكومية متتالية منذ 2010، لم تنفذ إلا جزئها الأصغر، فيما تتزايد الديون والخسائر، حيث بات الحق في الكهرباء، الذي تنص عليه المواثيق الدولية كجزء من الحق في مستوى معيشي لائق، يتحول في لبنان إلى امتياز طبقي، من يملك يستطيع أن يشتري الضوء، ومن لا يملك يبتلعه الظلام.

وذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن مؤسسة كهرباء لبنان وفّرت خلال عام 2024 نحو أربع ساعات فقط من التغذية الكهربائية يوميًا، ما دفع القادرين ماديًا إلى الاعتماد على مولدات الديزل الخاصة لتعويض ساعات الانقطاع، رغم ما تسببه من تلوث بيئي كبير.

وقالت “هيومن رايتس”، إنه في ظل هذا الواقع، نشأ قطاع واسع لمولدات الكهرباء الخاصة، يعمل بشكل غير رسمي وبدرجة محدودة من التنظيم، وتُقدّر قيمته بنحو ثلاثة مليارات دولار سنويًا.

وتلقي أزمة الكهرباء بظلالها العاتمة على المستشفيات، فتتحول غرف الطوارئ إلى سباق مع انقطاع التيار، وتغدو حياة المرضى معلقة بين هدير مولد يوشك أن يخذلهم، وليل ثقيل يهدد الأجهزة التي تبقيهم على قيد الحياة، حيث تواجه أكثر من 60% من المستشفيات صعوبات في تشغيل الأجهزة الحساسة بسبب نقص الكهرباء وارتفاع تكلفة الوقود.

وزير الطاقة والمياه اللبناني، جو صدي، قال في تصريحات صحفية، إن الدولة تعمل على حل أزمة الكهرباء وأنه جاري إنشاء محطتي “دير عمار” و”الزهراني” بتكلفة تقديرية تبلغ ملياري دولار.

وأشار إلى أن هناك شراكات دولية عبر تفعيل المسار الاستثماري مع دول الخليج، فضلا عن التعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) لتوفير الضمانات المالية اللازمة للمستثمرين بالتنسيق مع وزارة المالية.

وأضاف أن التنسيق مع الأردن وسوريا ومصر مستمر لتفعيل شراء الغاز، مع التحضير لاجتماع رباعي مرتقب في فبراير الجاري.

وأوضح أن هناك مشروع واعد للربط الكهربائي مع قبرص، يتولى البنك الدولي تمويل دراسة جدوى الكابل البحري.

حلول ترقيعية مُكلفة

في شهادة مطولة تضيء العتمة التي تبتلع دروب العاصمة اللبنانية، يكشف الكاتب اللبناني رفيق الهواري، من جانبه لـ”صفر”، مسار الانهيار الذي حول شبكة وطنية كانت تُضرب بها الأمثال في ستينيات القرن الماضي إلى منظومة مهترئة وممزقة بين انقطاع مستمر وسطوة المصالح الخاصة وهيمنة المولدات غير الشرعية.

ويستدعي الهواري بدايات الحكاية، قائلاً، إن لبنان امتلك في الستينيات شبكة كهربائية شبه متكاملة غطت معظم المناطق، وكانت من أفضل الشبكات في المنطقة، غير أن الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 تركت محطات الإنتاج والشبكات في حالة دمار، فبدأ اللبنانيون يختبرون للمرة الأولى الانقطاع غير المنتظم للتيار، ما دفع الكثير من سكان الأطراف إلى الاعتماد على مولدات صغيرة كحل اضطراري أصبح لاحقا قاعدة لا استثناء.

ومع اتفاق الطائف وولادة سلطة سياسية جديدة، عاد الحديث بعد عام 1992 عن إعادة بناء القطاع، لكن الوعود -كما يصفها الهواري- كانت هشة تتكرر على ألسنة وزراء الطاقة من دون أن يُنفذ منها شيء، حيث ظلت الخطط على الورق، وارتفع منسوب الحديث عن خصخصة القطاع، بينما كانت الكهرباء تتراجع خطوة بعد أخرى نحو العتمة.

وعن واقع اليوم يقول الهواري، إن السلطة المركزية لم تُفلح يومًا في حل الأزمة بطريقة جدية، بل لجأت إلى حلول ترقيعية مكلفة، من بينها استقدام بواخر لتوليد الكهرباء وتزويد المعامل بها في محاولة لإعادة التوزيع، وفي مناطق أخرى، صعدت قوى محلية لتفرض سيطرتها على قطاع المولدات، بعضها بتنسيق مع السلطات أو القوى السياسية النافذة، وبعضها الآخر عبر البلديات.

المخرج الوحيد للأزمة

يضيف الهواري، أن بعض البلديات استطاعت بالفعل توفير التيار عبر مولدات خاصة حصلت عليها بالتبرعات وبأسعار مقبولة، فيما تحولت بلديات أخرى إلى شريك مباشر في استغلال المواطنين، منخرطة في ما بات يُعرف بـ”مافيا المولدات”، وهذه الظاهرة لم تعد استثناءً بل قاعدة محمية سياسيًا.

ورغم الهدر الذي تجاوز 40 مليار دولار في هذا القطاع، لم يشهد اللبنانيون حتى اليوم أي خطة واقعية تؤمن لهم كهرباء منتظمة أو تُعيد تنظيم السوق المنفلتة، بل على العكس، اشتدت قبضة المافيات، واتسع نفوذ شبكات حماية أصحاب المولدات، وهذا الانهيار دفع المواطن إلى دفع فاتورتين، واحدة لمؤسسة كهرباء لبنان التي لا تقدم أكثر من أربع ساعات تغذية يوميًا وبتكلفة مرتفعة، وأخرى للمولدات الخاصة التي تعمل دون رقابة أو محاسبة فعلية، ما يفاقم تكلفة المعيشة والأوضاع الاقتصادية المتدنية.

ورغم إعلان وزارة الطاقة والبلديات تسعيرة شهرية للتيار، يؤكد الهواري أن الالتزام بها يكاد يكون معدومًا، فلا جهة تراقب ولا سلطة تُلزم أصحاب المولدات بها، لتبقى الأسعار رهينة مزاج السوق، وترتفع معها أعباء الناس بلا سقف.

وعن الحل، يوضح الهواري أن المخرج الوحيد يكمن في خطة وطنية حقيقية تعيد إنتاج الكهرباء من خلال تجديد معامل الإنتاج، ودعمها بتقنيات حديثة، وإعادة تأهيل شبكات التوزيع التي تنزف الهدر والسرقات، لكن تحقيق هذا يتطلب حكومة قادرة على التخطيط والمحاسبة والتنفيذ وليست دولة غائبة كما هي الحال في لبنان.

لعنة المولدات الخاصة

من جانبه، يروي المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، لـ”صفر” صورة المشهد كما يعيشها الناس يوميًا، قائلاً إن أزمة الكهرباء في لبنان وضعت المواطن بين مطرقة الانقطاع الرسمي وسندان المولدات الخاصة، في معركة يومية لا ينتصر فيها أحد سوى العتمة.

ويشرح أبو زينب أن اللبنانيين يعيشون اليوم في ظل غياب شبه كامل للتيار الرسمي، فلا يصلهم من كهرباء الدولة سوى ساعات قليلة ومتقطعة، حيث لا تتجاوز التغذية أربع أو خمس ساعات يوميا، وكأن الضوء أصبح ضيفًا عابرًا يحضر بلا موعد ويرحل بلا تفسير.

وأمام هذا الفراغ، يتوجه معظم الأهالي إلى الاشتراك بالمولدات الخاصة المنتشرة في الأحياء، وهي اشتراكات باهظة تحوّلت إلى عبء ثقيل ينهش ما تبقى من الرواتب، حيث أصبحت الكهرباء سلعة تُشترى بأثمان تفوق القدرات.

ويؤكد أبو زينب أن محاولات الدولة ومؤسسة كهرباء لبنان لإصلاح القطاع تبدو خجولة أمام حجم الانهيار، فالأزمة ليست تقنية فقط، بل سياسية واقتصادية ومترابطة مع عمق الأزمة اللبنانية بأكملها.

ويختتم حديثه، قائلا: “سيظل المواطن عالقًا بين مطرقة انقطاع التيار وسندان فواتير المولدات الخاصة، ما دامت الدولة غائبة، سيبقى الضوء رفاهية والعتمة واقعًا لا مهرب منه”.

جرح قديم ومتجدد

لا يبتعد المحلل السياسي اللبناني، قاسم قصير، عن الصورة القاتمة التي يرسمها اللبنانيون لأزمة الطاقة، إذ يقول لـ”صفر”، إن معاناة الكهرباء ليست طارئة، بل هي جرح قديم يعود إلى سنوات الحرب الأهلية وما تلاها، حين تضررت الشبكات وتعثر وصول التيار إلى الكثير من المناطق.

ويشير إلى أن رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري حاول في مرحلة ما إعادة القطاع إلى مساره الصحيح، إلا أن الجهود الضخمة والأموال التي أنفقت لم تُثمر كما كان مأمولاً، فالمعامل التي أنشئت لم ترتقِ إلى حجم الحاجة ولا إلى مستوى الأزمة.

ويضيف قصير أن محاولات الإصلاح لم تتوقف عبر السنوات، لكنها مشاريع على الورق، وخطط لإقامة معامل جديدة، ووعود متكررة، سقطت جميعها أمام العقبات السياسية والإدارية، وجاءت موجات النزوح السوري –ما يقارب مليوني نازح– لتزيد استهلاك الطاقة وترهق الشبكات الضعيفة أصلًا، بينما تراجعت الكهرباء المستوردة من سوريا، فأضاف ذلك قصة جديدة من الظلام إلى مشهد خانق.

ويذكر أن لبنان حاول أيضًا استقدام الكهرباء من الأردن، واستيراد الغاز، وبناء معامل جديدة تعمل بالغاز، لكن هذه المحاولات اصطدمت مجددًا بعقبات سياسية، أبرزها “قانون قيصر” الذي وقف حجر عثرة أمام تنفيذ الحلول.

ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة في اعتماد الطاقة الشمسية داخل البيوت والمصانع، وهي خطوة ساعدت في توفير ما يقارب ثلث الاستهلاك الإجمالي، فإنها تبقى حلًا فرديًا لغياب الحل الجماعي، أما المولدات الخاصة، فقد أصبحت -على حد تعبيره- “العضو غير المعلن في جسد الدولة”، تسد الفراغ ولو بتكلفة هائلة على المواطنين.

ويؤكد قصير أن اللبنانيين أمام أزمة معقدة ومتجذرة، تحتاج إلى قرارات جذرية وشجاعة وإرادة سياسية صلبة، ومساعدة حقيقية من المجتمع الدولي لبدء بناء معامل جديدة، ودعم مشاريع توسيع إنتاج الطاقة، خاصة الطاقة الشمسية، بالتوازي مع إصلاح داخلي شامل لقطاع الكهرباء وتنظيم الفواتير، لأن بدون ذلك، سيبقى اللبنانيون يولدون الضوء بأيديهم، بينما يبقى الخيار الرسمي غارقًا في العتمة.

تداعيات الحرب الأهلية

ومن جانبه، قدم المحلل السياسي اللبناني، هشام دبسي، رؤيته لأزمة الكهرباء بلبنان من زاوية تتجاوز الأسلاك والمحطات، لتلامس جوهر العطب السياسي، قائلا لـ”صفر” إن أزمة الطاقة ليست مجرد خلل تقني أو انهيار بنيوي، بل أزمة مركبة ولدت من رحم الحرب الأهلية، وتغذت لاحقًا على سوء الإدارة وسياسات النهب المنهجي التي دفعت البلاد نحو الإفلاس الكامل.

ويشرح دبسي أن اتفاق الطائف، الذي كان من المفترض أن يعلن ولادة دولة جديدة قادرة على لملمة خراب الحرب، لم ينجح في إنهاء هذا الملف، فبدل أن تستعيد الدولة دورها، تمددت شبكات الفساد، وتآكل القطاع عامًا بعد عام، حتى وصل إلى مرحلة “الصفر الكهربائي” في بعض السنوات، حين غابت الدولة وغرق اللبنانيون في عتمة مطلقة.

ويعتقد دبسي أن جذور الأزمة أعمق من أي خطة إصلاح، فهي مرتبطة بالتموضع الاستراتيجي للبنان داخل المعادلة الإقليمية، حيث تحمل المرحلة الحالية فرصًا ضئيلة لكنها حقيقية، إذ يدرك العهد الجديد حساسية التموضع السياسي وأثره على كل مفاصل الأزمة، بدءًا من تشكيل الحكومة وصولًا إلى قطاع الطاقة، لكن الطريق ليس ممهدًا، فالديناميات الداخلية ما زالت محكومة بصراع عميق بين الدولة ومنظومات النفوذ.

ويشير دبسي، إلى أن الميليشيات المتغلغلة في مؤسسات الدولة لا تزال تشكل عائقًا جوهريًا أمام أي خطوة إصلاحية، فهي تتمسك بالسلاح وبإدارات هرمة اعتادت على الفساد والنهب، وتستمد شرعيتها من قطاعات شعبية واسعة ما زالت تؤمن بها وتحتمي بها.

ويختتم دبسي حديثه بالتشديد على أن أزمة الطاقة في لبنان لا يمكن مقاربتها بمنطق تقني صرف، فقبل طرح أي خطة أو حل، يجب أن تنضج الإرادة السياسية ويتشكل تحالف إقليمي ودولي يدعم تموضعًا جديدًا للدولة اللبنانية، لأن النور لن يعود -كما يقول- ما لم تعُد الدولة نفسها إلى موقعها الطبيعي.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان