منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تقرير لمنظمة “سيكيوريتي كاونسل ريبورت”

بين القرار 2730 والواقع الدامي.. العاملون الإنسانيون في قلب النزاعات بلا حصانة

02 أبريل 2026
عناصر الصليب الاحمر تقدم خدماتها لأحد المرضى
عناصر الصليب الاحمر تقدم خدماتها لأحد المرضى

يستعد مجلس الأمن الدولي لعقد جلسته السنوية الثانية خلال شهر أبريل الجاري، لمناقشة ملف حماية العاملين في المجال الإنساني وموظفي الأمم المتحدة، في لحظة تشهد تصاعداً غير مسبوق في حجم التهديدات التي تطولهم في مناطق النزاع.

وتشير التوقعات التي نشرتها  منظمة “سيكيوريتي كاونسل ريبورت” إلى أن هذه الجلسة تأتي في إطار متابعة تنفيذ القرار 2730 الصادر في مايو 2024، وسط استمرار التحديات التي تعوق العمل الإنساني وتعرضه لمخاطر متزايدة.

وتقدم ممثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومدير إدارة الأمم المتحدة للسلامة والأمن (UNDSS) إحاطات أمام المجلس، في وقت تتفاقم فيه المؤشرات المرتبطة بسلامة العاملين الإنسانيين، وتتصاعد فيه الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية للمساءلة والحماية.

أرقام قياسية تعكس واقعاً دامياً

تكشف قاعدة بيانات أمن العاملين في المجال الإنساني (AWSD) عن مقتل 383 عامل إغاثة في عام 2024، وهو أعلى رقم مسجل على الإطلاق، ما يعكس تصاعداً حاداً مقارنة بعام 2023 الذي شهد مقتل 293 عاملاً، بزيادة تقارب 150%.

وتُظهر الأرقام أن الصراع في غزة كان من أبرز أسباب هذا الارتفاع، إذ قُتل 344 عامل إغاثة هناك بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024، معظمهم من العاملين لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).

وتوضح الإحصاءات أن 90% من الضحايا في مختلف النزاعات كانوا من الموظفين الوطنيين والمحليين، ما يعكس حجم المخاطر التي يتحملها العاملون من داخل المجتمعات نفسها، وليس فقط الفرق الدولية.

ويضيف تقرير حديث صادر عن مكتب الإحصاءات والبيانات المتعلقة بالعمالة الإنسانية أن عدد القتلى بلغ 350 عامل إغاثة في عام 2025، بينهم 226 في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تسجيل انخفاض طفيف يُعزى إلى وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، دون أن يغير ذلك من كون الأرقام عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

عقبات متشابكة

يرصد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 15 مايو سلسلة من التحديات التي تعترض عمل العاملين الإنسانيين، تشمل المعوقات البيروقراطية التي تفرضها الدول المضيفة، ونقص الإمدادات الأساسية، وتسييس العمليات الإنسانية، إلى جانب آثار العقوبات والإجراءات الأمنية، وحملات التضليل الإعلامي.

ويشير التقرير إلى أن هذه العوامل لا تقل خطورة عن الهجمات المباشرة، بل تخلق بيئة عمل غير آمنة، تعوق وصول المساعدات، وتؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية بدلاً من احتوائها.

القرار 2730 ومسار المساءلة

يعزز القرار 2730، الذي صاغته سويسرا داخل مجلس الأمن، الإطار القانوني لحماية العاملين الإنسانيين، عبر تأكيد مسؤولية الدول المضيفة في توفير الحماية، وضرورة التزام جميع أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني.

ويشدد القرار على ضرورة إجراء تحقيقات “كاملة وفورية ونزيهة وفعالة” في أي اعتداءات، مع ملاحقة المسؤولين عنها، والتعاون مع الآليات القضائية الدولية.

كما يطلب من الأمين العام تقديم تقارير دورية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الرقابة الدولية، وضمان متابعة الانتهاكات بشكل مستمر.

ورغم هذا الإطار، تكشف البيانات أن التنفيذ لا يزال يواجه فجوات واسعة، في ظل استمرار الانتهاكات، وتزايد أعداد الضحايا، وغياب المساءلة الفعالة في العديد من النزاعات.

عائلات الضحايا تطالب بالعدالة

ووفقاً لصحيفة “الغارديان” يواصل شقيق عاملة الإغاثة زومي فرانكوم، مال فرانكوم، المطالبة بنشر التسجيل الصوتي للغارة التي قتلت شقيقته، مؤكداً أن العائلة لم تتلقَّ تفسيراً واضحاً لما حدث.

ويقول فرانكوم إن القافلة التي كانت تعمل فيها شقيقته تعرضت للاستهداف ثلاث مرات، ما أسفر عن مقتل سبعة من العاملين الإنسانيين، في حادثة لا تزال محل جدل واسع.

وتطالب العائلة بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، ومحاسبة المسؤولين، في ظل ما تعده غالباً للعدالة، واستمراراً للإفلات من العقاب.

ويشير تقرير مستقل أعده رئيس أركان الدفاع الأسترالي السابق مارك بينسكين إلى وجود “قصور كبير في إدراك الوضع” لدى القوات الإسرائيلية، لكنه لا يرجح أن الهجوم كان متعمداً، بل يعزوه إلى أخطاء في اتخاذ القرار وتحديد الهوية.

ووفقاً لوكالة “رويترز”، أعلن المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني أن أكثر من 390 من موظفي الوكالة قُتلوا خلال الحرب في غزة، ويدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، مؤكداً أن التأخير في التحقيق مرتبط باستمرار العمليات العسكرية.

وتشير الأونروا إلى أن استمرار النزاع يعوق جهود المحاسبة، ويجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً.

في المقابل، يشكك السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في جنيف دانيال ميرون في حيادية الوكالة، موجهاً اتهامات تتعلق بارتباطات مزعومة، في وقت تتواصل فيه المناقشات داخل الأمم المتحدة دون حسم نهائي لملف المساءلة.

وتؤكد البيانات الأممية أن نحو 72 ألف فلسطيني قُتلوا منذ بدء الحرب، إلى جانب آلاف القتلى الآخرين من الطرف الإسرائيلي، في مؤشر يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة.

انقسامات دولية

تواجه آليات المساءلة الدولية انقسامات واضحة داخل مجلس الأمن، حيث تدعو بعض الدول إلى تحقيقات مستقلة، في حين تفضل دول أخرى، منها الصين وروسيا والولايات المتحدة، التركيز على السيادة الوطنية ورفض تدويل بعض الملفات.

ويؤدي هذا التباين إلى تعطيل الوصول إلى توافقات فعالة، ويترك فجوات واسعة في نظام العدالة الدولية، خاصة في القضايا المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

تفرض هذه المعطيات واقعاً معقداً على المجتمع الدولي، حيث تتقاطع أعداد القتلى المرتفعة مع ضعف آليات المساءلة، واستمرار الانقسامات السياسية، وتزايد التحديات الأمنية.

وتبقى حماية العاملين في المجال الإنساني اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدول بالقانون الدولي، في وقت تتسع فيه رقعة النزاعات، وتتعاظم فيه المخاطر، دون أن تتوقف آلة الحرب.