منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد 10 سنوات على بريكست: هكذا تبدو بريطانيا اليوم.. أمة منقسمة عالقة في الزمن

09 أبريل 2026
الناخب البريطاني يتحول من الأحزاب التقليدية إلى معسكري البقاء والخروج ويستمر الانقسام بعد النتيجة
الناخب البريطاني يتحول من الأحزاب التقليدية إلى معسكري البقاء والخروج ويستمر الانقسام بعد النتيجة

أديتيا تشاكرابورتي

في 23 يونيو 2016 تغيّر الناخب البريطاني. قبل ذلك التاريخ كان يختار حزباً، غالباً إما الأحمر أو الأزرق. لكن بحلول ذلك الصباح، لم يعد هناك سوى معسكرين: البقاء أو الخروج. والأهم أن هذا الانقسام لم ينتهِ بإعلان النتيجة، بل استمر طويلاً بعده. لم يتخلَّ الناس عن تلك الانتماءات المؤقتة، بل حوّلوها إلى هويات شخصية. لم يعد المرء “مؤيداً لحزب العمال” أو “ينتمي لعائلة محافظة”، بل أصبح “مؤيداً للبقاء” أو “مؤيداً لبريكست”. وحتى اليوم، لا يزال 60% من البريطانيين يعرّفون أنفسهم بناءً على ذلك الاختيار الوحيد الذي وضعوه في استفتاء قبل عشر سنوات.

عندما يُسأل الناس عن تأثير “بريكست”، غالباً ما تأتي الإجابة في إطار السياسات أو السياسة العليا: مسار اقتصادي أكثر اضطراباً، أو صراعات داخل حزب المحافظين. لكن القضية كانت أكبر بكثير من صراع بوريس جونسون وديفيد كاميرون.
لقد اندلعت حرب أهلية مجازية داخل البلاد، جذبت تقريباً الجميع إلى أحد الطرفين، ولا تزال آثارها تتردد في الانتخابات ووسائل الإعلام حتى اليوم.

قبل مقتل جورج فلويد أو ظهور لقاح كوفيد-19، كان “بريكست” هو أقوى أشكال سياسات الهوية في بريطانيا المعاصرة. وقبل حرب غزة، كان الحدث الذي دفع جيلاً كاملاً من الناخبين نحو التطرف السياسي. بدون الاستفتاء، لم تكن لتوجد منصات إعلامية مثل GB News أو برامج مثل The Rest Is Politics. ولم تكن مصطلحات مثل “الآباء الوسطيون” أو السخرية من “غامون” لتظهر في البرامج السياسية. كما لم يكن نايجل فاراج أو زاك بولانسكي يتصدران استطلاعات الرأي أو يستعدان لانتصارات انتخابية. وحتى خطاب الكراهية بأسلوب تومي روبنسون
كان سيظل هامشياً. تاريخ كل هذه الظواهر يعود إلى صيف 2016.

الأدلة تأتي من كتاب جديد لعالِمَي السياسة: سارة هوبولت، وجيمس تيلي بعنوان: “السياسة القبلية: كيف قسّم بريكست بريطانيا”. من خلال تحليل استطلاعات رأي واسعة على مدى سنوات، يقدّم الكاتبان رواية بسيطة لكنها تختلف كثيراً عن تلك التي يروج لها أمثال فاراج.

إذا استمعت إلى مؤسس حزب “ريفورم” نايجل فاراج، فستظن أن “بريكست” كان رغبة عارمة لدى كل البريطانيين. لكن الحقيقة أن الجمهور البريطاني، حتى لحظة الاستفتاء، لم يكن منشغلاً كثيراً بالاتحاد الأوروبي.
ربما عبّر البعض عن شكوك تجاهه، لكن لم يكن هناك طلب كاسح للخروج. وعندما طلب ديفيد كاميرون من حزبه عام 2006 “التوقف عن الحديث المستمر عن أوروبا”، كان ذلك لأن الموضوع لم يكن يهم الناخبين.

لكن لاحقاً، تحوّل هوس فئة صغيرة من نخبة وستمنستر إلى قضية عامة، تصدرت العناوين واحتلت ساعات البث. وبمرور الوقت، اختار الناس أحد المعسكرين، وتحوّل النقاش إلى جزء من حياتهم اليومية.

كما يشرح جيمس كلير في كتابه العادات الذرية، فإن تغيير السلوك يبدأ ببناء “هوية”. وهذا ما حدث مع “بريكست”: تحوّل الموقف منه إلى جزء من هوية الفرد، يُعاد تأكيده باستمرار.

الأهم أن هذا لم يتوقف يوم التصويت. ضآلة الفارق في النتيجة، والصدمة التي أحدثتها، وحجم التغيير المتوقع، كلها عوامل جعلت الجدل يستمر ويتصاعد. شهدت البلاد مسيرات، وبيع قبعات تحمل رموز الاتحاد الأوروبي، واحتجاجات في شوارع لندن.

وتُظهر بيانات الكتاب أن “الارتباط العاطفي” بهذه الهوية ازداد بشكل أكبر بعد إعلان النتائج، لا قبلها. وكأن المباراة انتهت، لكن المشجعين استمروا في الصراخ بصوت أعلى.

هذا الانقسام لم يتلاشى مع الوقت. فموقفك من “بريكست” لا يحدد فقط رأيك في نجاحه أو فشله، بل أيضاً نظرتك للطرف الآخر. فمؤيدو البقاء يرون مؤيدي الخروج أنانيين ومنغلقين، والعكس صحيح. وبحلول 2025، لم يعد سوى 40% من مؤيدي الخروج قادرين على مناقشة السياسة مع الطرف الآخر، مع شعور متبادل. هذه ليست مجرد معارضة، بل شكل من أشكال التمييز الاجتماعي.

يكتب المؤلفان: “لم يختلف الطرفان حول بريكست فقط، بل اختلفا حول الواقع نفسه”. وحتى عام 2024، استمر الجدل حول أداء الاقتصاد.

شبح الطبقية يخيّم على هذه السياسة الجديدة. ففي القرن العشرين، كانت السياسة قائمة على الطبقات. لكن مع صعود توني بلير تغيّر ذلك، فقد أظهرت دراسات أن الطبقة العاملة التي كانت تصوّت بثبات، تخلت تدريجياً عن هذا النمط مع انتقال حزب العمال نحو الوسط.

اليوم يتحدث كير ستارمر عن جذوره العمالية، لكن ذلك يبدو رمزياً أكثر منه تغييراً حقيقياً.

وعندما تختفي الطبقة من السياسة، لا يبقى سوى “حروب الثقافة”. فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان في جوهره قضية اقتصادية وتجارية، لكنه تحوّل إلى معركة ثقافية، خاصة حول الهجرة التي وصفها دومينيك كامينغز بأنها “السلاح الحاسم”.

وتُظهر بيانات الكتاب أن أبرز نقاط الخلاف بين المعسكرين تدور حول الهجرة، ثم المساعدات الخارجية، وعقوبة الإعدام، في حين تغيب القضايا الاقتصادية الأساسية مثل العدالة الاجتماعية أو تحسين أوضاع العمال.

بمعنى آخر: الصراع لا يدور حول ما يؤثر فعلياً في دخل الناس أو مستوى معيشتهم. والمستفيدون من هذا النوع من السياسة الفارغة هم من هم في وضع مريح أصلاً، ويستفيدون حتى عندما يخسرون. فبحلول نهاية 2016، لم يعد كاميرون في مقر رئاسة الوزراء، لكنه بدأ يجني مبالغ كبيرة من المحاضرات والاستشارات.

نحن نعيش في عصر الاستقطاب والتضليل، لكن بريطانيا لم تصل إلى هنا فجأة، بل عبر محطات مفصلية، أبرزها استفتاء “بريكست” الذي حوّل فشلاً سياسياً للنخبة إلى انقسام وطني عميق، وضع الجيران وزملاء العمل وحتى العائلات في مواجهة بعضهم البعض.

والسؤال الذي يبقى: لكل هذا الانقسام.. ماذا كانت النتيجة؟

نقلاً عن الجارديان