* جورج مونبيوت
بريطانيا أصبحت مكباً للنفايات.. لا أقول ذلك مجازاً، بل حرفياً.. فمن منظور عصابات الجريمة المتخصصة في النفايات، هذه البلاد ليست سوى مكب ضخم محتمل، فرص القبض عليهم تتراوح بين ضئيلة ومعدومة، والعقوبات في معظمها مثيرة للسخرية، وعلى مدار سنوات، منحتهم الحكومات المتعاقبة عملياً ترخيصاً لطباعة الأموال.
في الأسبوع الماضي، أعلنت لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم أن ظاهرة إلقاء النفايات بشكل غير قانوني “خرجت عن السيطرة”.
اليوم، ينتشر في المملكة المتحدة ما بين 8 آلاف إلى 13 ألف موقع نفايات غير قانوني، بعضها لا يتجاوز بضع شاحنات، لكن بعضها الآخر يحتوي على عشرات الآلاف من الأطنان، تضم كل شيء، من مخلفات منزلية إلى الأسبستوس والمعادن الثقيلة ومواد كيميائية شديدة السمية وقابلة للاشتعال والانفجار.
هذه النفايات تتطاير في الأحياء السكنية، وتتسرب إلى الأنهار، وتخترق التربة والمياه الجوفية.. وفي أغلب الحالات، لا يحدث شيء.
هذه ليست صدفة أو خللاً عابراً، بل نتيجة حتمية لهجوم أيديولوجي مستمر على فكرة التنظيم والرقابة.
الحكومات تعاملت مع إجراءات الحماية العامة باعتبارها “تعقيدات بيروقراطية” يجب التخلص منها، ومع الجهات الرقابية باعتبارها معوقات ينبغي إزاحتها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إلغاء القوانين صراحةً خوفاً من غضب الرأي العام، فاختارت طريقاً آخر: خفض التمويل المخصص للرقابة والتنفيذ، إنها إزالة تنظيم بالقوة الناعمة.
وخلال 15 عاماً فقط، أدى ذلك إلى خلق قطاع اقتصادي جديد بالكامل تقريباً: جريمة النفايات المنظمة.. وربما يكون أنجح “قطاع نمو” لدينا.
إنه عمل مربح للغاية، فمن يريد التخلص من نفاياته يدفع لك رسوماً تشمل النقل والضرائب وتكاليف الإلقاء الرسمي، لكن بدلاً من التوجه إلى مواقع مرخصة، تقوم بإلقائها في الأراضي الزراعية، أو المحميات الطبيعية، أو الغابات القديمة، أو حتى بجوار مدارس، كما حدث في منطقة بيكرشو قرب ويغان.
والنتيجة؟ تحتفظ بالفارق.. حوالي 2500 جنيه إسترليني عن كل شاحنة.
والأدهى أن الدخول إلى هذا المجال سهل بشكل مثير للسخرية. فقد تمكنت أنا شخصياً من تسجيل سمكتي الذهبية النافقة بصفتي تاجر نفايات معتمداً لدى وكالة البيئة!
ومع انخفاض احتمالات القبض وارتفاع الأرباح، لم تعد جريمة النفايات مجرد نشاط جانبي، بل أصبحت كما يشير تقرير لجنة البيئة في مجلس اللوردات بوابة إلى الجريمة المنظمة، تفتح الطريق أمام شبكات تمتد إلى المخدرات والأسلحة وغسل الأموال والاحتيال وحتى العبودية الحديثة.
أما الجهات الرقابية، فقد أصبحت ضعيفة التمويل، محبطة، وعاجزة بشكل يكاد يكون كاملاً، حتى في الحالات النادرة التي تبدأ فيها تحقيقات، يستمر إلقاء النفايات بلا توقف.
في بيكرشو مثلاً، أدى مكب غير قانوني يضم 25 ألف طن إلى إغلاق مدرسة ابتدائية، وانتشار الفئران والذباب، وتدمير أعمال السكان المحليين، ورغم الإبلاغ عن الواقعة منذ 2024، ورغم إعلان “تحقيق جنائي كبير”، أظهرت لقطات حديثة استمرار النشاط؛ لأن السلطات ببساطة فشلت في تأمين الموقع.
والقصة تتكرر في كل مكان تقريباً، فعلى ضفاف نهر تشيرويل قرب أكسفورد، بدأ السكان بالإبلاغ منذ صيف 2025. رد وكالة البيئة؟ “أمر بالتوقف”، لكن دون أي إجراءات فعلية لا إغلاق للموقع، ولا حتى كاميرات مراقبة، والنتيجة كانت متوقعة: استمرت الشاحنات في القدوم.. حتى تحولت النفايات إلى جبل ينهار داخل النهر.
وفي غابة “هوادز وود” في كِنت، وهي منطقة محمية، بدأت الكارثة منذ 2020، أبلغ السكان، وقدّموا أدلة، بل وأسماء الشركات المتورطة.. ولم يحدث شيء.
حتى 2024 فقط صدر أمر تقييد، وفي 2025 تم اعتقال ثلاثة أشخاص، أما التكلفة؟ 15 مليون جنيه إسترليني يتحملها دافعو الضرائب.
هذا هو “تحرير السوق” كما طُبّق فعلياً. نموذج غريب من “الانضباط المالي” يحسب تكلفة الفعل.. ويتجاهل تماماً تكلفة عدم الفعل.
تقديرات متحفظة تشير إلى أن إلقاء النفايات غير القانوني يكلف الاقتصاد الإنجليزي مليار جنيه سنوياً، أما تنظيف كل هذه المواقع المتراكمة، فقد يكلف عشرات المليارات إن حدث أصلاً، دون حتى احتساب مخاطر تلوث المياه الجوفية التي قد تكون كلفتها أضعاف ذلك.
ومع ذلك، جاء رد الحكومة مؤخراً عبر “خطة مكافحة جرائم النفايات”، ورغم أن بعض الإجراءات إيجابية، فإنها لا توازي حجم الأزمة، فالخطة تخصص 15 مليون جنيه سنوياً فقط.. وهو مبلغ يكفي لتنظيف موقع واحد من أصل آلاف.
الأسوأ أن هذه الجهود تُقوّض أصلاً بسياسات مستمرة من تقليص الرقابة، تبدو هي الأخرى “خارج السيطرة”.
الحقيقة أن نقص التمويل وتفكيك التنظيم -المستمران منذ عقود- يدمران البلاد، فهما لا يمنعان حل المشكلات فقط، بل ينشران الإحباط والاستسلام، ويفتحان الباب أمام اقتصاد المافيا، وساسة يستثمرون في اليأس.
ولا يوجد رمز أكثر وضوحاً لهذا الخلل من النفايات التي تتراكم حولنا.. مكب النفايات لم يعد مجرد واقع مادي.. بل أصبح وصفاً دقيقاً لحال البلد كله.
نقلاً عن الغارديان..
