توصلت الأطراف الليبية، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبمساندة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى توافق بشأن إطار قانوني شامل لمعالجة ملف الأشخاص المفقودين، في خطوة وُصفت بأنها قد تمثل تقدمًا مهمًا في أحد أكثر الملفات الإنسانية والحقوقية تعقيدًا في البلاد.
وجاء هذا التوافق خلال الاجتماع الخامس للجنة الخبراء المعنية بالإطار القانوني للمفقودين، الذي عُقد بمشاركة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب عدد من المؤسسات الحكومية والقضائية، وخبراء قانونيين ومختصين في حقوق الإنسان، فضلا عن ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، بحسب ما ذكرت البعثة الأممية على حسابها بموقع “إكس”، اليوم الخميس.
وبحسب المعطيات المعلنة، استمرت الاجتماعات ثلاثة أيام، وشهدت مناقشات موسعة حول مسودة القانون المقترح، مع العمل على مراجعتها وتطويرها، قبل التوصل إلى نسخة شبه نهائية يُنتظر أن تشكل أساسا قانونيا أكثر وضوحا وتنظيما للتعامل مع ملف المفقودين في ليبيا.
التعرف على المفقودين
وركزت المداولات على تحديد مسؤوليات الجهات المعنية بهذا الملف، بما يضع إطارا مؤسسيا أوضح لعمليات البحث والتعرف على المفقودين، ويعزز في الوقت نفسه حماية حقوق الأسر التي ظلت لسنوات تطالب بكشف مصير ذويها وضمان التعامل مع القضية وفق معايير العدالة والشفافية.
وشملت التعديلات المقترحة دعم استقلالية الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، مع توضيح آلية تشكيل مجلس إدارتها، بما يهدف إلى تحصين عملها من أي تأثيرات أو تدخلات قد تعرقل أداءها.
كما تضمنت المسودة العمل على مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية ذات الصلة، في خطوة تستهدف سد الفجوات القانونية التي عطلت التقدم في هذا الملف خلال السنوات الماضية.
عمليات التحقق والتوثيق
كما أولت الاجتماعات أهمية خاصة لتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة، لا سيما في المجالات المرتبطة بالطب الشرعي والقضاء، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في عمليات التحقق من الهوية وتوثيق الحالات ومتابعة المسارات القانونية المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، جرى التوافق أيضا على إنشاء سجل وطني لتنظيم البيانات الخاصة بالمفقودين، بما يساعد على توحيد المعلومات وتحسين إدارتها وضمان حفظها بصورة أكثر منهجية.
وفي الجانب الحقوقي، ركزت المناقشات على توسيع حقوق الضحايا وأسرهم، مع وضع ضمانات لحماية البيانات، بما يراعي حساسية هذا الملف وتعقيداته الإنسانية والقانونية.
وينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها ضرورية لتعزيز ثقة العائلات في المؤسسات المعنية، وضمان أن يكون التعامل مع القضية قائما على احترام الكرامة الإنسانية وحق الأسر في المعرفة والإنصاف.
لوائح تنفيذية واضحة
وأكد مشاركون في الاجتماع أن نجاح القانون المرتقب لن يتوقف فقط على اعتماده، بل أيضا على إصدار لوائح تنفيذية واضحة تكفل تطبيقه بشكل فعال ومنظم، بعيدا عن أي تدخلات، مع الحفاظ على تركيزه الأساسي على حقوق الضحايا وعائلاتهم.
وفي ختام الاجتماعات، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الصيغة المنقحة أصبحت أكثر تكاملا من حيث توزيع الاختصاصات وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يدعم جهود البحث عن المفقودين وتحديد هوياتهم ضمن مقاربة أوسع ترتبط بمسار العدالة الانتقالية في ليبيا.
واعتبر البرنامج أن اعتماد القانون من قبل مجلس النواب سيمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة ومنح الأمل لآلاف العائلات التي لا تزال تنتظر إجابات بشأن مصير أبنائها ومفقوديها، فيما أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استمرار دعمها للمؤسسات الليبية من أجل استكمال هذا المسار ودفعه نحو التنفيذ.
وفي بلد لا يزال ملف المفقودين فيه من أكثر القضايا حساسية، يُنظر إلى هذا التوافق على أنه محاولة جادة للانتقال من إدارة الملف بصورة متفرقة إلى معالجته ضمن إطار قانوني ومؤسسي أكثر شمولًا، بما يفتح الباب أمام مقاربة أكثر إنصافا وإنسانية لعائلات طال انتظارها للحقيقة.
