تتفاقم المأساة الإنسانية في بوركينا فاسو بوتيرة مقلقة، مع كشف تقرير حقوقي حديث عن حجم غير مسبوق من العنف الذي طال المدنيين خلال السنوات الأخيرة، في ظل صراع مسلح متعدد الأطراف وغياب واضح للمساءلة، ويعكس هذا التقرير صورة قاتمة لوضع إنساني يزداد تدهورا في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابا.
تشهد بوركينا فاسو منذ عام 2016 تصاعدا في أعمال العنف المرتبطة بجماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل الإفريقي، ضمن موجة أوسع من التمردات التي تمتد إلى دول مجاورة مثل مالي والنيجر، وتزايدت حدة الصراع بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد، كان آخرها في سبتمبر 2022 عندما تولى إبراهيم تراوري السلطة، وتعتمد الحكومة بشكل متزايد على ميليشيات محلية لدعم الجيش في مواجهة الجماعات المسلحة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني وتداخل الأدوار بين الأطراف المتحاربة، وفي ظل هذا الوضع، يعاني ملايين المدنيين من انعدام الأمن الغذائي والنزوح، بينما تواجه المؤسسات الدولية صعوبات في التدخل الفعال بسبب القيود الأمنية والسياسية.
ووفقا لتقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم الخميس، فإن أكثر من 1800 مدني قُتلوا منذ عام 2023 على يد الجيش البوركيني والميليشيات المتحالفة معه، إضافة إلى جماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، ويوثق التقرير كذلك عمليات تهجير قسري طالت عشرات الآلاف، في سياق ما وصفه بجرائم قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
توثيق شامل لانتهاكات متعددة
جاء التقرير في 316 صفحة، مستندا إلى تحقيق موسع شمل مقابلات مع أكثر من 450 شخصا داخل بوركينا فاسو وفي دول مجاورة مثل بنين وكوت ديفوار وغانا ومالي، إضافة إلى تحليل صور أقمار صناعية وآلاف الساعات من مقاطع الفيديو والوثائق الرسمية، وغطت هذه التحقيقات الفترة بين يناير 2023 وأغسطس 2025، ما أتاح تكوين صورة دقيقة نسبيا عن طبيعة الانتهاكات واتساع نطاقها.
ورصد الباحثون 57 حادثة موثقة تورطت فيها القوات الحكومية والميليشيات المتحالفة معها المعروفة باسم متطوعي الدفاع عن الوطن، إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المسلحة، ويؤكد التقرير أن هذه الانتهاكات لم تكن حوادث معزولة، بل نمطا متكررا من العنف المنهجي ضد المدنيين.
في ظل قيادة الرئيس إبراهيم تراوري، شهدت بوركينا فاسو تصاعدا في القيود المفروضة على الحريات العامة، بما في ذلك استهداف المعارضة السياسية ووسائل الإعلام المستقلة، وأسهمت هذه السياسات في خلق بيئة يسودها الخوف، مع صعوبة كبيرة في نقل المعلومات حول ما يجري على الأرض.
مجازر دامية وشهادات مؤلمة
يسلط التقرير الضوء على عدد من الحوادث الدموية التي تعكس قسوة الصراع، ففي ديسمبر 2023، قُتل أكثر من 400 مدني في نحو 16 قرية قرب بلدة جيبو شمال البلاد خلال عملية عسكرية، وتروي إحدى الناجيات، وهي امرأة تبلغ 35 عاما، كيف فقدت ابنتيها في الهجوم، بينما أصيبت هي ورضيعها بجروح خطيرة.
وفي حادثة أخرى وقعت في نوفمبر 2023، قُتل 13 مدنيا من إثنية الفولاني، بينهم نساء وأطفال، في قرية باسي الغربية على يد ميليشيات متحالفة مع الحكومة، ووصف أحد الشهود المشهد بأنه كان مروعا، حيث عُثر على الجثث مقيدة ومعصوبة الأعين وتحمل آثار إطلاق نار كثيف.
استهداف عرقي وتصاعد الاتهامات
يشير التقرير إلى أن مجتمعات الفولاني تعرضت بشكل خاص للاستهداف، بسبب اتهامات بدعم الجماعات المسلحة، وترى “هيومن رايتس ووتش” أن هذا النمط من الهجمات قد يرقى إلى مستوى التطهير العرقي، نظرا لاستهدافه جماعات محددة على أساس هويتها.
وفي المقابل، لم تكن الجماعات المسلحة بمنأى عن ارتكاب انتهاكات جسيمة، إذ استخدمت العنف والترهيب لفرض سيطرتها على المناطق الريفية ومعاقبة السكان المحليين.
هجمات الجماعات المسلحة
في أغسطس 2024، شهدت بلدة بارسالوغو واحدة من أكثر الهجمات دموية، حيث قُتل ما لا يقل عن 133 مدنياً، بينهم عدد كبير من الأطفال، على يد مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، واتهمت الجماعة سكان البلدة بدعم القوات الموالية للحكومة.
ويروي أحد الناجين، وهو رجل يبلغ 39 عاما، أن المهاجمين أطلقوا النار بشكل متواصل، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا خلال وقت قصير، بينهم خمسة من أفراد عائلته.
حصار وتجويع ممنهج
لم تقتصر الانتهاكات في بوركينا فاسو على القتل المباشر، بل امتدت إلى فرض حصار على عشرات القرى والبلدات، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء، كما زرعت الجماعات المسلحة عبوات ناسفة على الطرق، ودمرت بنية تحتية حيوية مثل الجسور ومصادر المياه، ما زاد من معاناة السكان.
ويؤكد التقرير أن هذه الممارسات أسهمت في تفاقم الأوضاع الإنسانية، مع انتشار الجوع والأمراض في المناطق المتضررة.
مسؤولية قانونية محتملة
يرى التقرير أن جميع الأطراف المتحاربة قد تكون مسؤولة عن ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد والهجمات على المدنيين والنهب والتهجير القسري، كما يشير إلى احتمال تورط قيادات عليا، من بينها الرئيس إبراهيم تراوري وعدد من القادة العسكريين، بموجب مبدأ مسؤولية القيادة.
كما قد يتحمل قادة الجماعات المسلحة، وعلى رأسهم إياد أغ غالي، مسؤولية مماثلة عن الانتهاكات التي ارتكبتها قواتهم، ما يستدعي إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة.
تكشف الشهادات التي جمعها التقرير عن فقدان واسع للثقة في نظام العدالة الوطني، حيث أعرب الضحايا وعائلاتهم عن اعتقادهم بعدم جدوى اللجوء إلى القضاء المحلي، ويعزز هذا الشعور غياب تحقيقات ذات مصداقية، إلى جانب إنكار أو تقليل المسؤولين الحكوميين من حجم الانتهاكات.
دعوات دولية للتحرك
دعت هيومن رايتس ووتش المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الوضع، بما في ذلك فرض عقوبات محددة على المسؤولين عن الانتهاكات وتعزيز آليات المساءلة، كما طالبت بفتح تحقيق أولي من قبل المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة منذ سبتمبر 2022.
وأكدت المنظمة أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات، ويقوض أي فرص لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد.
مخاوف أممية
أعربت الأمم المتحدة ومؤسساتها الإنسانية عن قلق بالغ إزاء تدهور الأوضاع في بوركينا فاسو، ووصفت الأزمة بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وأكثرها إهمالا، وأكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 6.3 مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية في عام 2024، بينهم 3.4 مليون طفل، في ظل تصاعد العنف وتدهور الخدمات الأساسية بحسب” اليونيسف”، كما أشارت التقديرات الأممية إلى أن أكثر من ربع سكان البلاد باتوا يعتمدون على المساعدات للبقاء، وهو مؤشر خطير على اتساع نطاق الأزمة وتأثيرها العميق على المجتمع، وفي السياق ذاته، حذرت منظمات أممية من أن استمرار العنف يعوق وصول المساعدات ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفا، خاصة في المناطق المحاصرة أو النائية.
من جهتها، ركزت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرامجها الميدانية على كارثة النزوح الجماعي، حيث أظهرت أحدث البيانات أن أكثر من 2.1 مليون شخص يعيشون في حالة نزوح داخلي حتى عام 2025، إضافة إلى نحو 41,000 لاجئ تستضيفهم البلاد، وتوضح هذه الأرقام أن ما يقرب من 10 بالمئة من سكان بوركينا فاسو اضطروا إلى ترك منازلهم بسبب العنف، كما حذرت وكالات الأمم المتحدة من أن هذا النزوح واسع النطاق يضغط بشدة على الموارد المحدودة ويؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض.

