منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

النسوية لم تُنهِ نموذج الرجل المعيل.. الاقتصاد هو من فعل ذلك

22 أغسطس 2026
صورة تعبيرية تعكس الأدوار وتباين الفرص بين الرجال والنساء
صورة تعبيرية تعكس الأدوار وتباين الفرص بين الرجال والنساء

يُشعرني الخطاب الدائر حول مكانة الرجال الشباب في العالم بالإحباط، فمن ناحية، غالباً ما تُرفض بشكل قاطع فكرة أن الرجال قد يواجهون بالفعل ظروفاً أكثر صعوبة، ومن ناحية أخرى، يرى كثير من الرجال الشباب أن النساء أو النسوية هما المسؤولتان عن الصعوبات التي يواجهونها، وكلا الأمرين خاطئ.

يجب أن يبدأ أي نقاش بالاعتراف بأن الرجال الشباب الأقل تعليماً شهدوا تراجعاً اجتماعياً واقتصادياً فريداً خلال الجيل الماضي، لكن تفسير ذلك يرتبط بالاقتصاد في المقام الأول، وليس بالثقافة.

تمثل التحول الحاسم في سوق العمل خلال العقود الأخيرة في الانخفاض الحاد للوظائف في قطاع التصنيع، والنمو القوي للوظائف في الخدمات كثيفة المعرفة والرعاية الصحية، وأضر تراجع الوظائف الصناعية بصورة غير متناسبة بالرجال الأقل تعليماً، في حين ذهبت المكاسب التعويضية إلى الجميع باستثناء هذه الفئة: فقد عزز نمو وظائف المعرفة أوضاع المتعلمين جيداً، رجالاً ونساءً على حد سواء، في حين ذهبت وظائف الرعاية الصحية في المقام الأول إلى النساء، سواء الحاصلات على درجات علمية أو غير الحاصلات عليها.

أدى ذلك إلى ارتفاع المكانة الاقتصادية للنساء في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا، بغض النظر عن مستوى التعليم، في حين حافظ الرجال المتعلمون جيداً على مكانتهم الاقتصادية إلى حد كبير، والتي لا تزال أعلى قليلاً من مكانة أي فئة أخرى، في حين انهارت مكانة الرجال الأقل تعليماً. وبين الشباب، لم يعد نموذج الرجل المعيل هو القاعدة في عدد من البلدان مرتفعة الدخل، ومنها المملكة المتحدة.

أعاد هذا التحول الجذري تشكيل المشهد، بحيث تتمتع كل مجموعة إما بمكانة اقتصادية مرتفعة أو متصاعدة، باستثناء وحيد هو الرجال الشباب الأقل تعليماً.

رفع كل من الحركة النسوية والتحول نحو الرعاية الصحية والخدمات أوضاع النساء، مثل مدٍّ رفع جميع القوارب، لكن مسارات الرجال تباعدت، ما خلق فجوة في التضامن.

يتساءل البعض عن سبب انجذاب الرجال الشباب غير الجامعيين إلى “مانوسفير” (عالم الرجال)، رغم وجود كثير من النماذج الإيجابية للرجال في أماكن أخرى، وتكمن المشكلة في أن هذه النماذج تسير في الغالب على مسار مختلف؛ فهم رجال متعلمون جيداً يعملون في وظائف مكتبية، ولم يكونوا في الأساس سيواجهون صعوبة في الحصول على الاحترام أو تكوين أسرة، لكن هذا ببساطة ليس الواقع الذي يواجهه معظم الرجال غير الحاصلين على تعليم جامعي، فهم، في الغالب، لا يستطيعون الحصول على وظائف تمنحهم المكانة التي كان يتمتع بها آباؤهم أو أجدادهم، وهم يعرفون ذلك، وكذلك النساء اللواتي قد يرغبن في الارتباط بهم.

أما الشابات غير الحاصلات على شهادات جامعية، فهن في الغالب يتحركن إلى أعلى على السلم الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن أمهاتهن وجداتهن لم يكنّ يعملن في كثير من الأحيان، أو على الأقل لم يكنّ يشغلن وظائف بدوام كامل، ولذلك فمن الطبيعي أن يشعرن بالإحباط عندما يكتشفن أن نوعية الرجال الذين استقرت معهم أمهاتهن وجداتهن لم تعد موجودة ببساطة.

أرى أن هناك مسارين رئيسيين يمكن أن يعكسا مسار الرجال الشباب الأقل تعليماً، يتمثل أحدهما في التكيف مع سوق العمل الجديد جذرياً.

ووفق إطار تصنيف الوظائف إلى “الرأس واليد والقلب”، اختفت في الغالب الوظائف الجيدة التي تعتمد على “اليد”، أما وظائف “الرأس” فتذهب إلى خريجي الجامعات، وهذا يترك “القلب”، فالوظائف التي تعتمد على الرعاية والخدمات الشخصية آخذة في الارتفاع، وتمثل عملياً جميع الزيادة الصافية في الوظائف خلال السنوات القليلة الماضية في العديد من البلدان الغنية.

لكن ينبغي لنا ألا نتوقع أن ينتقل أبناء أو أحفاد عمال المصانع بسلاسة إلى هذه الوظائف، وكما ناضلت الحركة النسوية بنشاط وبحق لضمان الترحيب بالنساء في المهن التي كان يهيمن عليها الرجال سابقاً، سنحتاج الآن إلى سياسات ونماذج يُحتذى بها وحوار ثقافي يساعد الرجال على الشعور بأنهم موضع ترحيب في القطاعات والأماكن التي تهيمن عليها النساء.

يتعلق الخيار الآخر أمام الرجال الشباب الأقل تعليماً أيضاً بالتركيز على مهارات الرعاية والتعامل مع الآخرين، لكن في سوق العلاقات العاطفية بدلاً من سوق العمل، وقد حدث تقدم بالفعل في هذا المجال، فقد ارتفع باستمرار حجم رعاية الأطفال والأعمال المنزلية التي يؤديها الشريك الذكر العادي خلال السنوات الأخيرة، وأصبح التفاوت بين ما تقدمه الأمهات والآباء من رعاية للأطفال أقل من أي وقت مضى.

يتصدر الرجال الحاصلون على شهادات جامعية هذا التوجه، لكن الرجال غير الجامعيين أيضاً أصبحوا آباء أكثر مشاركة وشركاء أكثر دعماً.

يتعارض هذا مع السردية الشائعة حول “الذكورة السامة”، وكما يرسم المؤثرون في “مانوسفير” للشباب صورة مضللة عن الطريق إلى النجاح، فإنهم يرسمون أيضاً للشابات صورة مضللة عن طبيعة الرجل الشاب العادي اليوم بوصفه شريكاً.

أشعر بالتفاؤل إزاء الكيفية التي سينتهي إليها كل ذلك، فالأفراد والمجتمعات يتمتعون بقدرة ملحوظة على التكيف، لكن الخطوة الأساسية في هذا الطريق هي الاعتراف بأن الرجال الشباب غير الحاصلين على تعليم جامعي يواجهون بالفعل عقبات اقتصادية قوية ومحبطة، وأنهم، في الغالب، ليسوا بقايا سامة من الماضي.

ترجمة : زينب مكي

نقلاً عن فايننشيال تايمز