منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المياه الملوثة في جنوب إفريقيا.. أزمة تتجاوز العطش إلى تهديدات صحية وبيئية

02 أبريل 2026
أزمة مياه الشرب النظيفة في جنوب إفريقيا
أزمة مياه الشرب النظيفة في جنوب إفريقيا

كشف تقرير مراقبة جودة المياه لعام 2025 الصادر عن منظمة “AfriForum” أن 94 من أصل 109 محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي في جنوب إفريقيا، أي ما نسبته 86%، تطلق مياهًا ملوثة مباشرة إلى مصادر المياه مثل الأنهار والسدود، دون أن تستوفي الحد الأدنى من معايير المعالجة البيئية، في حين حققت 88% من عينات مياه الشرب المختبرة معايير السلامة للصحة البشرية، إلا أن انهيار أنظمة معالجة الصرف الصحي يهدد مصادر المياه الأساسية في البلاد ويؤدي إلى تدهور جودة المياه الخام التي تُستمد منها المياه الصالحة للشرب.

تسرب المياه غير المعالجة

أظهرت تقارير صحفية أن محطات معالجة مياه الصرف في جنوب إفريقيا تُفرغ أكثر من 50,000 لتر من مياه الصرف غير المعالجة في الأنهار كل ثانية، بحسب شبكة العمل المجتمعي للمياه، ما يزيد من تراكم الملوثات في النظم المائية الطبيعية ويشكل خطرا بيئيا وصحيا واسع النطاق، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على المياه السطحية للري والشرب.

تلوث المياه

في حملة “أسبوع الاختبارات العلمية المجتمعية للمياه” التي تنظمها شبكة العمل المجتمعي للمياه، أجري خلالها فحص جودة المياه في مصادر مختلفة كالصنابير وخزانات التخزين والأنهار والسدود في جميع المقاطعات التسع، تبين أن العديد من مصادر المياه كانت غير آمنة للاستهلاك البشري، حيث سجلت المياه الملوثة وجود بكتيريا E.coli في مياه الشرب المنزلية، وهو مؤشر قوي على تلوث المياه بمياه الصرف الصحي وأشار القائمون على الحملة إلى أن فشل نظم المعالجة وعدم الاختبارات الدورية يفاقمان الأزمة المائية في البلد.

وبحسب بيانات نقلها موقع “ميل آند جارديان” الجنوب إفريقي، فاستخدام طاقة الفحم لتوليد الكهرباء يستهلك سنويا 5% من كمية المياه المتاحة لشعب لا يمتلك نصفه مياه شرب في منزله.

وذكرت منظمة “حياة ما بعد الفحم”، المعادية لاستخدام الفحم الملوث للبيئة، فإن الاستغناء عن طاقة الفحم تماما بشأنه توفير 196 مليار لتر مياه سنويا كافية للنحو 5 ملايين شخص بشكل مستمر.

وأضافت المنظمة أن التوقف عن استخدام الفحم يقلل من تلوث المياه الجنوب إفريقية وبالتالي توفير كميات أكثر من المياه الصالحة للشرب.

جودة معالجة مياه الشرب

تشير تقارير حكومة جنوب إفريقيا ذاتها إلى أن جودة معالجة مياه الشرب تدهورت بفعل ضعف الصيانة، والتقادم البنيوي، وقلة الموارد الفنية، وبيّنت أن 46% من 958 نظم توزيع مياه لا تفي بالمعايير الميكروبيولوجية، بينما 44% لا تفي بالمعايير الكيميائية لمياه صالحة للشرب، كما أن 64% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي تواجه مخاطر عالية أو حرجة في الالتزام بالمعايير المطلوبة، ما يعني أن كميات هائلة من المياه الملوثة تدخل في المنظومة المائية.

أزمة مياه شاملة تفاقم الصحة العامة والبيئة

وسبق أن حذرت منظمة الصحة العالمية من أن التلوث المزمن للأنهار والسدود قد يؤدي إلى انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه مثل الإسهال، والتيفوئيد، والكوليرا، إضافة إلى تأثيرات طويلة الأمد على النظام البيئي والزراعة، ما يوسع دائرة الأزمة من مشكلة خدمات أساسية إلى تهديدات بيئية وصحية جذرية.

شبكات الصرف الصحي المتهالكة

يؤكد تقرير نشرته صحيفة “TimesLIVE” أن عدم وصول مياه الصرف إلى محطات المعالجة بسبب البنية التحتية المتداعية وفشل خطوط الأنابيب هو جزء من المشكلة الأساسية في جنوب إفريقيا، إذ يُفترض أن تعالج هذه المياه قبل تصريفها إلى البيئة، لكن التدهور الهيكلي والاستخدام غير السليم يترك ملايين اللترات من المياه الملوثة تتسرب إلى الأنهار.

أبعاد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية

يُضيف تلوث المياه عبئا اقتصاديا على الأسر الضعيفة، إذ تضطر بعض العائلات إلى شراء مياه معبأة أو مصادر مياه آمنة بديلة، بينما تواجه المجتمعات الريفية ضعفا في الخدمات الأساسية، كما أن الظروف المناخية المتغيرة تزيد من الضغط على العرض المائي، ما يجعل المشكلات تتداخل بين نقص المياه وتدهور الجودة في آن واحد.

المنظمات الحقوقية تحذّر

دعت منظمات حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا، ومن بينها جمعيات المجتمع المدني المعنية بالمياه والبيئة، إلى تعزيز الشفافية في مراقبة جودة المياه، وتحسين إدارة البنية التحتية، وتطبيق معايير صارمة في محطات المعالجة، وقد طالبت هذه المنظمات الدولة ببذل جهود أكبر لضمان أن تكون المياه آمنة ومحمية من التلوث، باعتبار أن الحق في مياه نظيفة جزء من الحقوق الأساسية لصحة الإنسان ورفاهيته.

التزامات دولية ومعايير قانونية

تلتزم جنوب إفريقيا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بتوفير مياه نظيفة وصالحة للشرب لكافة السكان، كما تُعد المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية بشأن جودة المياه إطارا دوليا لحماية الصحة العامة، وتقترن هذه الالتزامات الدولية بواجبات وطنية لضمان مراقبة فعّالة ونظم معالجة متينة، تحترم الحق في الصحة والبيئة النظيفة.

أدرجت الأمم المتحدة المياه ضمن الحقوق الأساسية للإنسان، مؤكدة في وثائقها أن المياه الصالحة للاستخدام الشخصي والمنزلي يجب أن تكون مأمونة وميسورة ومتاحة للجميع، وأن نقصها يفاقم الفقر والمرض وعدم المساواة، وتشير بيانات من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمياه إلى أن 1 من كل 4 أشخاص حول العالم –أي نحو 2.1 مليار نسمة– لا يزال يفتقر إلى خدمات مياه الشرب المدارة بأمان، ما يضاعف من مخاطر الأمراض المنقولة عن طريق المياه، ويُبرز الحاجة إلى احترام هذه الحقوق على المستوى الوطني في بلدان مثل جنوب إفريقيا التي تواجه تدهورًا حادًا في جودة مواردها المائية.

وفي وقت سابق، كشف تقرير «أكواستات لبيانات المياه لعام 2025» الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) عن استمرار التدهور في توافر المياه المتجددة للفرد على المستوى العالمي، حيث سجل انخفاضاً إضافياً بنسبة 7% خلال العقد الماضي، في مؤشر مقلق يعكس تعاظم الضغوط على مورد حيوي يشكل أساس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مختلف الدول.

ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه المنافسة على موارد المياه العذبة التي كانت أصلاً شحيحة في العديد من المناطق، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع الحضري، وارتفاع الطلب الزراعي والصناعي، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي التي باتت تضرب أنماط الهطول المائي وتزيد من حدة الجفاف وعدم انتظام الموارد.

مطالب بإعلان “كارثة وطنية”

دعت لجنة حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا إلى إعلان أزمة المياه المستمرة “كارثة وطنية”، معتبرة أن انعدام الوصول إلى مياه نظيفة يعرّض الحقوق الدستورية للخطر، خاصة حق الصحة والتعليم والمساواة، وأكدت اللجنة أن انقطاع المياه في المدارس يؤثر على التحصيل الدراسي، بينما يؤثر نقص المياه في المرافق الصحية على جودة الرعاية الصحية، مع الإشارة إلى التفاوت بين المناطق الحضرية والريفية والآثار غير المتكافئة على النساء والأطفال، وقد تقدمت منظمات مجتمع مدني مثل منظمة مكافحة التهرب الضريبي بشكاوى تطالب بالتحقيق في سوء إدارة خدمات المياه من قبل السلطات، معتبرة أن الفشل في ضمان جودة المياه يشكل انتهاكا مباشرًا لحق الإنسان في الحياة والكرامة.

في جنوب إفريقيا، يتحول الأمن المائي من مفهوم نظري إلى قضية ملحّة بسبب التلوث ونقص الكفاءة في إدارة المياه، بينما تنظر إليه الأمم المتحدة كجزء أساسي من حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وليس مجرد خدمة أساسية.