*د. كيري إنجراهام
لقد انحرف نظام التعليم العام في الولايات المتحدة بشكل خطِر بعيداً عن مهمته الأساسية، فالمدارس وُجدت لتعليم الأطفال وتلقينهم مهارات القراءة والكتابة، وتنمية التفكير النقدي، وفهم العالم من حولهم، لكن في مختلف أنحاء البلاد، بات العديد من الفصول الدراسية يركز على شيء مختلف تماماً، لقد أصبحت موجهة نحو تحويل الطلاب إلى نشطاء سياسيين.
وتمثل مشاركة تلاميذ المدارس في تدريبات واحتجاجات مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك (ICE) أحدث مثال على الدعاية السياسية المفروضة على الأطفال خلال اليوم الدراسي. ففي نيويورك أظهرت مقاطع مصورة معلمة في مرحلة ما قبل المدرسة تشجع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم تجاه وكالة ICE والرئيس دونالد ترامب، وهو أمر يعكس بوضوح “التعليم” الذي تلقوه منها.
وفي بوسطن نشرت معلمة مقطع فيديو عبر الإنترنت يظهر طلابها في المرحلة الابتدائية وهم يسيرون داخل الفصل حاملين لافتات ويرددون هتافات: “لا لدونالد ترامب”.. إنه تدريب كامل على النشاط السياسي، يُموّل من أموال دافعي الضرائب وخلال ساعات الدراسة.
وبدلاً من إعطاء الأولوية للتفوق الأكاديمي، يدفع عدد كبير جداً من المعلمين، بدعم من مديريهم، بأجندات سياسية داخل الفصول الدراسية.
يُدرَّب الطلاب على تنظيم المظاهرات، والمشاركة في الاحتجاجات، وتبني مواقف أيديولوجية بشأن قضايا عامة معقدة، وهي أمور لا يمتلكون بشأنها الحقائق أو السياق الكافي، وغالباً قبل أن يتقنوا حتى المهارات الأكاديمية الأساسية.

كان من المفترض أن يُخصص وقت المدرسة لتعلم القراءة والرياضيات والعلوم والتاريخ، لكن هذا الوقت يُستبدل بشكل متزايد بدروس تتمحور حول النشاط السياسي، وثقافة التظلم، والهوية السياسية، وهذا لا يعد الطلاب للنجاح، بل يشتت انتباههم عن التعليم الذي هم في أمسّ الحاجة إليه.
والنتائج الأكاديمية لهذا التوجه خطِرة، فنتائج الاختبارات الوطنية لا تزال تُظهر مستويات مقلقة، حيث يعجز ملايين الطلاب في أنحاء البلاد عن القراءة أو أداء الرياضيات بالمستوى المناسب لأعمارهم.
ومع ذلك، يبدو أن المؤسسة التعليمية أكثر ارتياحاً لتشجيع الطلاب على تحدي “الأنظمة” بدلاً من ضمان قدرتهم على كتابة فقرة متماسكة أو حل مسألة في الجبر، لقد أصبح النشاط السياسي بديلاً عن الإنجاز.

في بعض المدارس، يُطلب من الطلاب إعداد “خطط عمل للعدالة الاجتماعية” أو المشاركة في مشاريع مناصرة مرتبطة بقضايا سياسية، وفي مدارس أخرى، يُخصص وقت الحصص لإنشاء ملصقات سياسية، بل وتشجيع الطلاب على مغادرة الفصول للاحتجاج في شوارع المدارس.
وفي كولورادو، ألغت مناطق تعليمية عدة الدراسة في جميع المدارس بسبب شائعات عن مشاركة المعلمين والطلاب في احتجاجات ضد الرئيس ترامب ووكالةICE ، ما أدى إلى نقص في الكوادر وعدم القدرة على استمرار الدراسة، وكل هذا الوقت التعليمي المهدَر يُموّل من أموال دافعي الضرائب المخصصة أساساً للتعليم الأكاديمي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فأكبر نقابة للمعلمين، الرابطة الوطنية للتعليم (NEA)، تقوم بتدريب المعلمين على “تعزيز عدالة مجتمع الميم والدفاع عن حقوق المتحولين جنسياً”، بدلاً من تدريبهم على تدريس القراءة والكتابة والرياضيات.

إن التعرف على المشاركة المدنية أمر جيد، ولكن ينبغي القيام بذلك خارج ساعات الدراسة
المشكلة ليست في تعلم الطلاب لمبادئ المشاركة المدنية، فالديمقراطية الصحية تحتاج إلى مواطنين واعين يفهمون حقوقهم ومسؤولياتهم، لكن المشكلة تكمن في أن حزباً سياسياً واحداً وأجندة مناهضة لأمريكا يقومان بتلقين الطلاب أفكاراً جاهزة، دون أن يُمنحوا المعرفة اللازمة لتقييم القضايا بشكل مستقل وموضوعي.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن مناقشة السياسات الاقتصادية دون فهم أساسيات الاقتصاد، وبالمثل، لا يمكن تكوين رأي مستنير حول الحكومة دون فهم التاريخ ومعرفة الدستور.
بعبارة أخرى.. لا يستطيع الطلاب تحدي الأفكار إذا لم يتم تعليمهم أولاً المعرفة التي تمكنهم من تحليلها بدقة.
وبدلاً من تنمية قدرتهم على وزن الأدلة والوصول إلى استنتاجاتهم الخاصة، يتم تلقينهم تبني وجهات نظر محددة مسبقاً على أنها حقائق، دون سياق أو نقاش.

هذا النهج يضعف الديمقراطية؛ لأنه يفشل في تعليم الطلاب وتأهيلهم، فالمشاركة المدنية الحقيقية تتطلب استقلالاً فكرياً يدفع الطلاب إلى فهم الأفكار المتنافسة وتقييم الحجج بشكل نقدي، والتعليم الأكاديمي القوي – من قراءة نصوص متقدمة ودراسة التاريخ وإتقان الرياضيات وتعلم بناء الحجج المنطقية – هو ما يزود الطلاب بهذه المهارات.
أولياء الأمور في مختلف أنحاء البلاد الذين يتوقعون من المدارس التركيز على التعليم الأكاديمي، أصبحوا أكثر قلقاً من هذه الأجندة النشطة، فقد استمرت “صحوة أولياء الأمور” التي بدأت خلال جائحة كوفيد-19، حين أُغلقت المدارس واطلع الآباء مباشرة على التعليم عن بُعد لأبنائهم.

وفي المقابل، تواصل المؤسسة التعليمية ونقابات المعلمين والنشطاء ذوو التوجهات “التقدمية” الذين يعملون معلمين، تأجيج المطالب المتزايدة بالشفافية والمساءلة وتعزيز دور أولياء الأمور في التعليم.
وبشكل ربما لا يرغبون فيه، فإنهم يسهمون في تعزيز حرية التعليم في الولايات المتحدة؛ لأن الآباء والجمهور الأمريكي لا يريدون لأطفالهم أن يكونوا أسرى للدعاية السياسية اليسارية المتطرفة خلال اليوم الدراسي، في حين يتراجع مستوى التعليم الأمريكي على الساحة العالمية.
يتواصل النزوح من التعليم الحكومي، إذ يُعبّر أولياء الأمور عن موقفهم بأفعالهم، باحثين عن بيئات تعليمية تظل فيها المعرفة، لا النشاط السياسي، هي جوهر العملية التعليمية خلال اليوم الدراسي.
ينبغي لمدارس الولايات المتحدة المموّلة من أموال دافعي الضرائب أن تُخرّج مواطنين قادرين على التفكير المستقل لا طلاباً مُدرَّبين على ترديد الشعارات السياسية. فالطلاب بحاجة إلى فصول دراسية تركز على المعارف الأساسية، وتعليم أكاديمي راسخ، وفهم عميق للأفكار التي قامت عليها هذه الأمة، لا إلى الانخراط في النشاط السياسي.
*د. كيري إنجراهام: زميلة أولى في معهد ديسكفري، ومديرة المركز الأمريكي لتحويل التعليم، وزميلة أولى في منتدى المرأة المستقلة.
نقلاً عن واشنطن بوست..
