فتحت السلطات القضائية في باريس تحقيقاً بشأن قناة “سي نيوز” الإخبارية، على خلفية اتهامات تتعلق ببث تعليقات قد ترقى إلى خطاب كراهية، وذلك بعد تداول تصريحات وصفت بأنها عنصرية استهدفت رئيس بلدية سان دوني المنتخب حديثا، في سياق يسلط الضوء على حساسية قضايا التمييز العرقي في المشهد الإعلامي الفرنسي.
وذكر مكتب الادعاء العام في باريس، وفق ما نقلته وكالة رويترز، أن التحقيق جاء عقب شكوى رسمية تقدم بها رئيس البلدية بالي بكايوكو، أشار فيها إلى أن تعليقات صدرت خلال برنامجين بثتهما القناة يومي 27 و28 مارس الماضي تضمنت إهانات على أساس الأصل أو اللون، ما استدعى فتح مسار قضائي للنظر في مدى مخالفة هذه التصريحات للقانون.
اتهامات بتجاوز قانوني
تعود القضية إلى تعليقات إعلامية تناولت رئيس بلدية سان دوني، وهي ضاحية تقع شمال باريس وتتميز بتنوعها السكاني، حيث اعتبر مقدم الشكوى أن ما ورد في البرامج يمثل تجاوزا قانونيا يمس كرامته على أساس العرق، في حين نفت القناة هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تستند إلى وقائع صحيحة.
وتأتي هذه القضية في ظل انتقادات متكررة توجه إلى القناة التي تملكها مجموعة فيفاندي التابعة لرجل الأعمال فينسان بولوري، بسبب خطها التحريري الذي يركز بشكل مكثف على قضايا الهجرة والأمن في فرنسا.
تحقيقات موازية
في سياق متصل، أعلن الادعاء العام فتح تحقيق منفصل يتعلق باحتمال تعرض رئيس البلدية للتنمر عبر الإنترنت بسبب لون بشرته، وهو ما يعكس اتساع نطاق القضية من محتوى إعلامي إلى تفاعلات رقمية قد تحمل طابعا تمييزيا.
يذكر أن القانون الفرنسي ينص على معاقبة الإهانة العلنية ذات الطابع العنصري بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد وغرامة مالية قد تبلغ 45 ألف يورو، فيما تصل عقوبة التنمر عبر الإنترنت إلى السجن لمدة عامين وغرامة تصل إلى 30 ألف يورو، ما يعكس تشدد التشريعات في مواجهة خطاب الكراهية والتمييز.
جدل إعلامي وسياسي
تسلط هذه القضية الضوء على الجدل المتصاعد في فرنسا بشأن دور وسائل الإعلام في تشكيل الخطاب العام، خاصة في ما يتعلق بملفات الهجرة والهوية، حيث تتهم بعض المنابر بتغذية انقسامات مجتمعية، بينما تؤكد مؤسسات إعلامية تمسكها بحرية التعبير ضمن الأطر القانونية.
تأتي هذه التطورات في سياق أوروبي أوسع يشهد تشديدا متزايدا على مكافحة خطاب الكراهية، سواء في وسائل الإعلام التقليدية أو على المنصات الرقمية، حيث تعتمد الدول الأوروبية على أطر قانونية صارمة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان والمساواة، وتؤكد تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن التحدي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين حماية حرية التعبير ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الشعبوي في بعض الدول، ما يدفع الحكومات إلى تعزيز الرقابة القانونية والتشريعية على المحتوى الإعلامي لضمان احترام القيم الديمقراطية وحماية الفئات الأكثر عرضة للتمييز.
