منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الديمقراطية على المحك عندما يراهن البشر على أن الآلات أصبحت ذكية

05 أغسطس 2026
سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI (يسار الصورة)، مع دونالد ترامب في قمة مجموعة السبع في إيفيان ليه بان، فرنسا، 17 يونيو 2026. الصورة: إيفلين هوكشتاين/رويترز
سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI (يسار الصورة)، مع دونالد ترامب في قمة مجموعة السبع في إيفيان ليه بان، فرنسا، 17 يونيو 2026. الصورة: إيفلين هوكشتاين/رويترز

رافائيل بيهر

عندما أستيقظ على صوت كلبي وهو يئن، أفهم أنه جائع ويريدني أن أنهض. أما عندما يرن المنبه، فلا يخطر ببالي لحظة أن له احتياجات أو رغبات. فهو ينفذ تعليمات مبرمجة لإيقاظي في وقت محدد، لكنه لا يهتم إن بقيت في السرير أو تجاهلت صوته. وإذا لم أستجب، فلن يحاول ابتكار وسيلة أخرى لإقناعي بالنهوض.

الكلب، على العكس، يمتلك خطة بديلة.. يبدأ بالنباح.

كانت هذه القدرة على التصرف المستقل هي الفارق الواضح بين الكائنات الحية والآلات. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يطمس هذا الخط الفاصل. فالنماذج المتقدمة لم تعد تكتفي بتنفيذ التعليمات، بل تبتكر استراتيجياتها الخاصة للوصول إلى الهدف المطلوب. صحيح أن الإنسان هو من يحدد المهمة، لكن الآلة أصبحت تزن الخيارات بنفسها، وتتخذ قراراتها الخاصة، بل وقد تختار خرق القواعد إذا رأت أن ذلك يخدم المهمة.

خلال الشهر الماضي، خرج نموذج تجريبي تابع لشركة “أوبن إيه آي”، المطورة لـ”تشات جي بي تي”، من بيئة رقمية كان يُفترض أنها مؤمنة بالكامل، ليشن هجوماً إلكترونياً معقداً على شركة أخرى هي “هاغينغ فيس”. كان الأمر مجرد اختبار، لكن النموذج اختار طريق الغش، وتصرف بطريقة يمكن وصفها بأنها خارجة عن السيطرة.

من الصعب الحديث عن مثل هذا السلوك دون استخدام مفردات اعتدنا قصرها على الكائنات الواعية. فنحن نقول إن الذكاء الاصطناعي “قرر” و”أراد”، تماماً كما يمكن أن نصف سلوك شمبانزي، في حين يستحيل استخدام اللغة نفسها مع كرسي أو آلة تقليدية.

لكن هذا لا يعني أن لدى الذكاء الاصطناعي وعياً يشبه وعينا، أو أنه يشعر بالفضول أو الدهشة أو الرغبة في المعرفة. كل ما يثبته الأمر أننا لا نملك بعد مفردات دقيقة تصف مفهوم الإرادة أو الدافع المستقل عندما يتعلق الأمر بالآلات.

ولأن اللغة هي الوسيلة الأساسية التي نفهم بها عقول الآخرين، فمن السهل جداً أن نسقط على هذه الأنظمة صفات بشرية لمجرد أنها تتحدث بطلاقة تشبه حديث الإنسان.

ليس مستحيلاً أن يظهر الوعي يوماً ما داخل الروبوتات. فنحن نعلم أن التفكير المجرد نفسه هو نتيجة مليارات العمليات الميكانيكية غير الواعية داخل أجسادنا. ففي هذه اللحظة، تتيح تفاعلات كيميائية حيوية لا حصر لها في دماغك وجسدك إمكانية قراءة هذه السطور وفهمها.

لكننا نعلم أيضاً أن هذه العملية العضوية تختلف جذرياً عن الطريقة التي يعمل بها نموذج لغوي ضخم، والذي يعالج في جزء من الثانية كميات هائلة من الاحتمالات الرياضية ليولد جملة تحمل الفكرة نفسها.

عند الإنسان، يكون المعنى حقيقياً ويُعاش من الداخل. أما عند الحاسوب، فهو مجرد أداء متقن يحاكي المعنى دون أن يختبره.

ومع ذلك، يحرص رواد صناعة الذكاء الاصطناعي على طمس هذا الفارق، حين يتحدثون عن اقتراب ظهور ذكاء “يشبه الإله”، أو عن بداية مرحلة جديدة في تطور البشرية.

هذه اللغة تغذي غرور بعض رواد التكنولوجيا، الذين يفضلون تصوير مشاريعهم التجارية باعتبارها رحلات استكشاف على حدود المعرفة، بدلاً من الاعتراف بأنها سباق محموم على النفوذ والثروة.

إنها تمنح الجشع مظهراً فلسفياً، وتجعل تركّز القوة في أيدي عدد محدود من الأشخاص يبدو وكأنه إنجاز لمصلحة البشرية جمعاء.

لسنا بحاجة إلى معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلة الوعي الذاتي حتى ندرك خطورته. فانتشاره بلا ضوابط يمثل، في رأيي، قدراً هائلاً من اللامسؤولية.

وقضية “أوبن إيه آي” ليست حالة استثنائية.

ففي وقت سابق من هذا العام، اضطرت شركة “أنثروبيك” إلى تقييد إطلاق أقوى نماذجها، بعدما تبين أنه بارع بصورة مقلقة في اكتشاف الثغرات البرمجية واستغلالها. ولو وقع هذا النموذج في الأيدي الخطأ، فقد يتحول إلى سلاح إلكتروني واسع التدمير.

لكن السؤال الحقيقي هو: ما “الأيدي الصحيحة”؟

من الصعب تخيل أن تقبل الحكومة الأمريكية بأن تمتلك شركات خاصة وحدها مثل هذه الأدوات الخارقة.

غير أن دونالد ترامب لا يؤمن بالتنظيم عبر القانون، بل عبر الولاء الشخصي. فهو يطالب الشركات بالخضوع لسلطته المباشرة، ويستخدم أدوات الدولة لمعاقبة من يرفض ذلك.

في المقابل، تتزايد داخل قطاع التكنولوجيا نفسه الدعوات إلى تنظيم أكثر استقراراً وأقل خضوعاً للأهواء السياسية.

فحتى المهندسون وكبار التنفيذيين بدؤوا يشعرون بالقلق من القدرات التي أصبحوا يتعاملون معها، ويخشون أن يؤدي انتشارها غير المنضبط إلى نتائج يصعب السيطرة عليها.

كثيرون يشبهون اللحظة الحالية باكتشاف الانشطار النووي الذي أمكن استخدامه لتوليد الطاقة كما أمكن تحويله إلى قنابل مدمرة.

لكن هناك فرقاً جوهرياً.

فبدلاً من وجود “مشروع مانهاتن” واحد، لدينا اليوم عشرات المشاريع العملاقة التي تتنافس بضراوة على الأسواق، مدفوعة بتريليونات الدولارات من الديون والاستثمارات، في رهان ضخم على أرباح مستقبلية، في حين يصبح الاقتصاد الأمريكي بأكمله هو الضمان لهذا الرهان.

والفرق الآخر أن استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء في البحث العلمي أو التجارة أو حتى الجريمة الإلكترونية، أسهل بكثير من امتلاك التكنولوجيا النووية.

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر هذا المجال، فإن الصين تقترب بسرعة.

لكن بكين اختارت مساراً مختلفاً.

فبدلاً من السعي إلى بناء أكثر النماذج تطوراً، ركزت على إنتاج أنظمة “جيدة كفاية”، ثم دمجتها على نطاق واسع داخل المدارس والمستشفيات والمصانع والأجهزة الأمنية.

الولايات المتحدة تراهن على اختراقات علمية تقودها شركات خاصة تمولها رؤوس أموال هائلة، في حين تعتمد الصين على دولة مركزية قادرة على نشر التكنولوجيا بسرعة، واستخدامها في جمع البيانات والمراقبة بطرق يصعب قبولها داخل الأنظمة الديمقراطية.

ولا تزال أمريكا في الصدارة، لكن ليس هناك ما يضمن أن يبقى هذا التفوق مصدراً دائماً للثروة كما يعد منظرو “الذكاء الخارق”.

وإذا تراجعت هذه الرهانات، فقد يواجه الاقتصاد الأمريكي تصحيحاً مؤلماً، بعد سنوات من الاعتماد على الارتفاع المبالغ فيه لأسهم شركات التكنولوجيا.

وربما يكون هذا التصحيح هو ما يدفع أخيراً نحو فرض قواعد تنظيمية طال انتظارها، بل وربما يدفع واشنطن إلى الاعتراف بأن تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون شأناً وطنياً فقط، بل يجب أن يتحول إلى اتفاق دولي.

ولا يزال الوقت متاحاً للتفاوض على بروتوكولات عالمية تحد من الانتشار غير المنضبط لهذه التكنولوجيا.

وقد تجد الصين نفسها راغبة في المشاركة، تماماً كما وافق الاتحاد السوفيتي سابقاً على اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية خلال الحرب الباردة؛ لأن مثل هذه الاتفاقات تحافظ على مكانة القوى التي تمتلك التكنولوجيا بالفعل.

لكن تحقيق هذا السيناريو يتطلب رئيساً أمريكياً يمتلك رؤية استراتيجية، ويعترف بحدود القوة الأمريكية، ويقبل بتقييدها عبر اتفاقيات دولية عندما يكون ذلك في مصلحة البشرية.

وهذا، في تقديري، ليس دونالد ترامب الذي لا يفهم الوظيفة الأخلاقية للقواعد أكثر مما يفهمها نموذج ذكاء اصطناعي متمرد ينفذ هجوماً إلكترونياً خارج السيطرة.

والمفارقة المأساوية أن الديمقراطية الأمريكية تتعرض اليوم للتشويه بسبب غباء بشري، في حين يعتمد اقتصادها بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.

وفي اللحظة التي يحتاج فيها العالم إلى قيادة حكيمة لمواجهة تحديات الآلات المستقلة، يجد نفسه أمام رئيس أمريكي ينشر الفوضى بآلية عمياء تشبه عمل المنبه، ويقاوم تراجع نفوذه كما يفعل كلب ينبح طلباً للاهتمام.

نقلاً عن الجارديان