منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“البرباشة” في تونس.. وجوهٌ منسيةٌ تحمل عبء النفايات وتكشف عمق الأزمة الاجتماعية

12 أبريل 2026
يُعرف أصحاب هذه المهنة في تونس باسم "البرباشة"
يُعرف أصحاب هذه المهنة في تونس باسم "البرباشة"

في قلب العاصمة تونس، وعلى أطراف الأحياء الشعبية والطرقات الكبرى، تتحرك يوميًا عربات بدائية وأكياس ضخمة فوق الأكتاف والدراجات النارية، بحثًا عن قوارير بلاستيكية وكرتون ومواد قابلة لإعادة التدوير.

يُعرف أصحاب هذه المهنة في تونس باسم “البرباشة”، وهم فئة تعيش غالبًا في الظل، لكنها تكشف بوضوح كيف دفعت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عددًا متزايدًا من السكان إلى أعمال شاقة وغير محمية قانونيًا.

وفي بلد بلغ فيه معدل البطالة 15.2% في الربع الرابع من 2025، وبطالة الشباب بين 15 و24 عامًا 38.4%، مع بقاء بطالة النساء عند 20.8%، تبدو هذه المهنة بالنسبة لكثيرين ملاذًا أخيرًا لا اختيارًا حقيقيًا، وفق بيانات البنك الدولي حتى أواخر 2025.

ولا تنفصل ظاهرة “البرباشة” عن الضغط المعيشي المتزايد في تونس، فالمعهد الوطني للإحصاء أعلن أن التضخم في مارس 2026 بلغ 5%، بعدما بلغ 5.3% كمعدل سنوي في 2025.

في حين أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن الأزمة الاقتصادية في تونس استمرت في التأثير على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مع دين عام يناهز 80% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 وارتفاع أسعار الغذاء.

وفي مثل هذا السياق، يصبح جمع البلاستيك والكرتون والمعادن مصدر دخل مباشر لفئات لم تعد تجد موطئ قدم في سوق العمل الرسمي.

الاعتماد على “البرباشة”

الأرقام المتعلقة بعدد “البرباشة” نفسها تعكس حجم الغموض الذي يلف القطاع، فمدير الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات ANGED قال في يناير 2025 إن عدد العاملين في هذا المجال “غير محدد رسميًا” لكنه قد يصل إلى 10 آلاف شخص.

في المقابل، قدّر رئيس الغرفة الوطنية لجامعي النفايات القابلة للتثمين العدد بنحو 25 ألفًا عبر البلاد، مع وجود نحو 40% منهم في العاصمة، مؤكدًا أن المهنة توسعت خلال العامين الأخيرين لتشمل أيضًا عمالًا ومتقاعدين وعاملات نظافة يبحثون عن دخل إضافي.

هذه الفجوة بين التقدير الرسمي وغير الرسمي تكشف بدورها أن القطاع لا يزال يتحرك خارج الإحصاء الدقيق والتنظيم القانوني الكامل.

ورغم هذه الهامشية، فإن “البرباشة” يؤدون دورًا مهمًا في الاقتصاد البيئي للبلاد، فوفق مدير الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، يُعاد في تونس تدوير نحو 70 ألف طن من البلاستيك سنويًا وإدماجها مجددًا في الدورة الاقتصادية بفضل جامعي النفايات.

كما تؤكد دراسة حالة عن نظام ECO-LEF أن قطاع التدوير في تونس يعتمد بشكل شبه كامل على الجامعين غير النظاميين المعروفين باسم “البرباشة”، الذين يجمعون المواد القابلة للتدوير من الحاويات والمكبات من دون صفة قانونية واضحة.

إدارة النفايات في تونس

وتزداد أهمية هذا الدور إذا وُضع في سياق أوسع يتعلق بإدارة النفايات في تونس، فوثيقة الاستراتيجية الوطنية للانتقال البيئي الصادرة عن وزارة البيئة تشير إلى أن حجم النفايات المنزلية والمشابهة في البلاد يُقدَّر بنحو 3.4 مليون طن سنويًا، منها 2.6 مليون طن تُدفن في المصبات المراقبة، بينما يذهب الباقي إلى مصبات بلدية وعشوائية غير محصاة بدقة.

كما تُظهر وثيقة مدعومة من البنك الدولي أن تونس تنتج نحو 2.8 مليون طن من النفايات المنزلية والمشابهة، بمعدل 0.65 كيلوغرام للفرد يوميًا، وأن البلاستيك يمثل 9.4% من هذه النفايات، أي ما يعادل نحو 250 ألف طن سنويًا.

وهذا يعني أن الاقتصاد غير الرسمي للنفايات ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزءًا من البنية الفعلية لإدارة المخلفات في البلاد.

لكن مساهمة “البرباشة” البيئية لا تقابلها حماية اجتماعية أو مهنية موازية، دراسة حالة ECO-LEF توضح أن هؤلاء الجامعين يعملون من دون أي وضع قانوني، وأنهم لا يملكون وصولًا مباشرًا إلى نقاط تجميع النظام الرسمي، لأنها مفتوحة فقط لحاملي التراخيص التجارية المعتمدة من الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات.

كما تؤكد الدراسة أن إدماجهم في الاقتصاد الرسمي يمكن أن يحسن دخلهم ويوفر لهم الضمان الاجتماعي والحماية الصحية، إلى جانب فوائد بيئية واقتصادية أوسع للمجتمع.

تجربة تنظيم “البرباشة”

ومن زاوية حقوقية واجتماعية، تبدو هذه المهنة نموذجًا صارخًا على الهشاشة المركبة. تقرير لمنظمة International Alert عن تجربة تنظيم “البرباشة” في التضامن أشار إلى أن القطاع يفتقر إلى إطار قانوني يعترف به وينظمه، وأن العاملين فيه يحتاجون إلى الاعتراف القانوني، والإدماج الاقتصادي، وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية.

كما لفت التقرير إلى أن دعم هذا القطاع شمل في إحدى التجارب توفير قفازات وملابس عمل وحملات تلقيح ضد الكزاز لعدد من العمال، وهو ما يكشف طبيعة المخاطر الصحية اليومية التي يواجهونها خلال جمع النفايات وفرزها ونقلها.

هذه الظروف القاسية لا تخص الرجال وحدهم، فمع اتساع الأزمة، أصبح حضور النساء أوضح في هذا النشاط، سواء في الشوارع أو في مراكز الفرز والتجميع.

وتظهر تقارير حديثة وإفادات صحفية أن الغلاء وضعف فرص العمل دفعا مزيدًا من النساء، وبينهن عاملات نظافة وربات أسر، إلى دخول هذا المجال كمصدر دخل إضافي.

وفي تونس، حيث لا تتجاوز نسبة النساء من إجمالي العاملين 29% من المشتغلين، فيما تبلغ بطالتهن 20.8%، فإن توسع مشاركة النساء في هذا العمل لا يعكس بالضرورة تحسنًا في الإدماج الاقتصادي، بل قد يعكس انتقالًا أوسع نحو أعمال غير رسمية أكثر هشاشة وأقل حماية.

تحولات الاقتصاد غير المنظم

قصة “البرباشة” لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع في الاقتصاد غير المنظم؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصف في دراسة عن الاقتصاد غير الرسمي في تونس هذا القطاع بأنه مساحة واسعة تنمو فيها أنشطة البقاء الهشة خارج التنظيم والضمانات، في وقت تواصل فيه الأزمة الاقتصادية ضغطها على الفئات الأضعف.

وتؤكد هيومن رايتس ووتش بدورها أن التدهور الاقتصادي والتضخم والدين العام المتزايد باتت كلها تؤثر مباشرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وضمن هذا السياق، يتحول “البرباشة” إلى مرآة يومية لانكماش الطبقة الوسطى واتساع حافة الفقر والعمل غير المحمي.

وفي الخلفية، تبدو المشكلة أيضًا مؤسسية، فالدراسات الخاصة بقطاع البلاستيك في تونس تشير إلى أن نظام ECO-LEF يعاني من تمويل غير مستدام، وغياب أهداف إلزامية واضحة للجمع وإعادة التدوير، ومنافسة مع القطاع غير الرسمي، ما أدى إلى تراجع اهتمام بعض الفاعلين الرسميين بالنظام.

وفي الوقت نفسه، يبقى “البرباشة” خارج الاعتراف الفعلي، رغم أنهم يحافظون على تدفق المواد القابلة للتدوير في السوق. أي أن تونس تعتمد عليهم عمليًا، من دون أن تمنحهم بعدُ مكانة مهنية وقانونية توازي هذا الدور.

ليست مهنة هامشية

وتكشف الصورة الأوسع لإدارة النفايات في البلاد حجم التناقض، فمن جهة، تؤكد وزارة البيئة أن النفايات العضوية تمثل بين 60% و70% من النفايات المنزلية، وأن البلاد تحتاج إلى توسيع التثمين والفرز والاقتصاد الدائري.

ومن جهة أخرى، ما زالت مساحات واسعة من سلسلة التدوير قائمة على عمل غير رسمي يقوم به أفراد يفتقرون للاعتراف والحماية، ولهذا فإن أي حديث عن الاقتصاد الدائري أو الانتقال البيئي في تونس يبقى ناقصًا ما لم يشمل هذه الفئة باعتبارها طرفًا أساسيًا لا هامشيًا.

“البرباشة” في تونس مجرد مهنة هامشية مرتبطة بالنفايات، بل خط تماس بين ثلاث أزمات في آن واحد: أزمة شغل، وأزمة حماية اجتماعية، وأزمة إدارة نفايات.

هؤلاء العمال يجمعون ما يطرحه المجتمع جانبًا، لكنهم في الوقت نفسه يجسدون ما يطرحه الاقتصاد الرسمي خارج حساباته: بشر يعملون في ظروف قاسية، يسدّون ثغرة بيئية واقتصادية حقيقية، ويظلون مع ذلك خارج الاعتراف الكامل بحقوقهم.

وبين الأرقام الرسمية عن البطالة والتضخم والنفايات، والأرقام التقديرية عن أعدادهم ودورهم في التدوير، تتضح الحقيقة الأهم: “البرباشة” ليسوا مجرد مشهد صامت في شوارع تونس، بل أحد أكثر تعابيرها الاجتماعية صدقًا وقسوة.