جورج ويل*
في لحظة تبدو عابرة في ظاهرها لكنها عميقة الدلالة في جوهرها، تمر الولايات المتحدة بمرحلة يمكن وصفها بـ”التآكل الذاتي المتسارع”.. ليس الأمر حدثاً درامياً كاغتيال يوليوس قيصر، لكنه يحمل في طياته مساراً لا يقل خطورة.. إنه تضخم غير مسبوق في الدين العام، يعكس اختلالاً بنيوياً في أولويات الدولة وسياساتها المالية.
تشير التقديرات إلى أن الدين الوطني يقترب من 40 تريليون دولار، بعد أن قفز من 38 إلى 39 تريليوناً في أقل من خمسة أشهر، وهو ما يعكس وتيرة إنفاق متسارعة قد تدفع الولايات المتحدة إلى تجاوز عدة عتبات مالية ضخمة خلال عام مالي واحد فقط. الأخطر من ذلك أن خدمة هذا الدين -الفوائد المستحقة عليه- أصبحت أسرع بنود الميزانية نمواً، مع توقعات بتجاوزها حاجز تريليوني دولار سنوياً خلال عقد من الزمن، وفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس.
غير أن المشكلة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بطبيعة الديناميكيات السياسية التي تغذّي هذا المسار. فمع تزايد أعداد المواطنين فوق سن 65 عاماً، وهم الفئة الأكثر مشاركة في الانتخابات، يتعزز نفوذهم السياسي بشكل كبير. هذه الفئة، بحكم اعتمادها النسبي على برامج الرعاية الحكومية، تمتلك حافزاً قوياً للدفاع عن هذه المزايا وتوسيعها، ما يدفع الساسة إلى الاستجابة عبر سياسات مالية أكثر سخاءً، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستدامة المالية طويلة الأجل.
صحيح أن ارتفاع متوسط العمر يُعد إنجازاً إنسانياً، لكنه في ظل نظام قائم على الاستحقاقات الواسعة وتكاليف طبية متزايدة، قد يتحول إلى عبء اقتصادي ثقيل، فالنظام الحالي، في جوهره، يعيد توزيع الثروة من الأجيال العاملة إلى المتقاعدين، رغم أن كثيراً من هؤلاء يتمتعون بوضع مالي أفضل نتيجة تراكم الثروة عبر عقود.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى توصيف هذا الواقع بمصطلحات لافتة، معتبرين أن ما يحدث هو شكل من أشكال “الرفاهية الممولة بالدين”، حيث تتحمل الأجيال القادمة كلفة إنفاق لم تشارك في تقريره. وفي هذا السياق، لم تعد الخلافات السياسية تتركز حول كيفية توزيع الموارد، بقدر ما أصبحت تدور حول قضايا ثقافية، في ظل هيمنة الإنفاق الإلزامي -مثل الضمان الاجتماعي وخدمة الدين- على معظم الموازنة الفيدرالية.
هذا التحول يعكس حقيقة أن نحو ثلاثة أرباع الإنفاق الحكومي أصبح خارج نطاق المراجعة الفعلية من قبل الكونغرس، ما يقلّص هامش النقاش السياسي حول السياسات المالية، ويدفع بالجدل العام نحو ملفات أقل ارتباطاً بالاقتصاد المباشر.
ورغم ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل يُعد هذا المسار نوعاً من الظلم للأجيال القادمة؟ منذ زمن توماس جيفرسون، طُرحت هذه الإشكالية بوضوح، حين اعتبر أن تمويل الحاضر عبر ديون تُسددها الأجيال المقبلة هو شكل من أشكال “الاحتيال على المستقبل”، ومع ذلك، لا يُعد الاقتراض بحد ذاته إشكالياً إذا وُجّه لتمويل استثمارات عامة تعود بالنفع على الجميع، مثل البنية التحتية أو التعليم أو البحث العلمي.
المشكلة، كما تبدو اليوم، أن جزءاً كبيراً من هذا الدين لا يُستخدم للاستثمار، بل لتمويل الاستهلاك الجاري، ما يفاقم المخاطر الاقتصادية، فكلما ارتفع الدين بوصفه نسبة من الناتج المحلي الإجمالي، تقلصت قدرة الحكومة على مواجهة الأزمات الاقتصادية، سواء كانت ركوداً أو صدمات مالية.
لقد دخلت الولايات المتحدة أزماتها الاقتصادية السابقة بمستويات دين أقل بكثير مما هي عليه اليوم، حيث يبلغ الدين حالياً نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن الاستمرار في هذا المسار دون تداعيات خطيرة؟
ربما تكمن الإجابة في تحذير العالم الفيزيائي ريتشارد فاينمان حين قال “أول مبدأ هو ألا تخدع نفسك، وأنت أسهل شخص يمكن خداعه”، ففي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بالأرقام وحدها، بل بقدرة المجتمع على مواجهة الحقائق، واتخاذ قرارات صعبة تضمن توازناً عادلاً بين الحاضر والمستقبل.
*كاتب عمود متخصص في الشؤون السياسية والقضايا الداخلية والخارجية
نقلا عن واشنطن بوست
