منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمن يتقدم وإنسانية تتراجع.. من يحمي حقوق المهاجرين في موريتانيا؟

05 أبريل 2026
قارب هجرة غير شرعية أمام سواحل موريتانيا
قارب هجرة غير شرعية أمام سواحل موريتانيا

شهدت موريتانيا منذ عام 2025 تحولاً لافتاً في سياساتها تجاه الهجرة غير النظامية، حيث لم تعد مجرد نقطة عبور، بل أصبحت لاعباً محورياً في ضبط الحدود ضمن استراتيجية أوروبية أوسع، ويأتي ذلك في سياق اتفاق تعاون مع الاتحاد الأوروبي تم توقيعه في 2024 بقيمة تقارب 210 ملايين يورو (نحو 241 مليون دولار)، يهدف إلى الحد من تدفقات الهجرة عبر المحيط الأطلسي، وقد انعكس هذا التعاون في تكثيف عمليات المراقبة البحرية والمداهمات الأمنية، ما يشير إلى انتقال موريتانيا فعلياً إلى موقع خط الدفاع الأول عن أوروبا.

هذا التحول لم يكن معزولاً عن الضغوط الأوروبية المتزايدة، إذ تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تقليص تدفقات الهجرة عبر نقل جزء من إدارة الحدود إلى دول العبور، وبفعل موقعها الجغرافي المطل على أكثر من 700 كيلومتر من السواحل الأطلسية، أصبحت موريتانيا عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، خاصة مع تحول مدينة نواذيبو إلى نقطة انطلاق رئيسة لقوارب الهجرة وفق منظمة الهجرة الدولية.

ارتفاع عمليات الترحيل

سجلت عمليات ترحيل المهاجرين ارتفاعاً غير مسبوق خلال 2025، بحسب وكالة رويترز، حيث تجاوز عدد المرحلين 28 ألف شخص خلال النصف الأول من العام وحده، وتتم معظم هذه العمليات عبر الحدود البرية نحو دول مثل مالي والسنغال، وسط انتقادات تتعلق بغياب الضمانات القانونية الكافية، خاصة فيما يتعلق بإجراءات الطعن أو تقييم الحالات الفردية.

وكثفت السلطات الموريتانية جهودها في مواجهة الهجرة غير الشرعية، حيث تم إحباط 3500 محاولة هجرة، وفق بيانات خفر السواحل.

وانعكست هذه الإجراءات بشكل واضح على أعداد المهاجرين الواصلين إلى جزر الكناري الإسبانية، حيث انخفضت بنسبة تقارب 59% خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، ويشير هذا التراجع إلى فعالية الإجراءات الموريتانية في تقليص التدفقات، وفق وزارة الداخلية الإسبانية.

طريق الأطلسي.. خطر مستمر

رغم هذا الانخفاض، لا يزال طريق الأطلسي أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم، فقد شهد عام 2024 آلاف الوفيات، واستمرت الحوادث خلال 2025، ومنها غرق قارب قبالة السواحل الموريتانية أدى إلى وفاة 69 مهاجراً وتشير هذه المعطيات إلى أن تقليص الأعداد لا يعني تقليل المخاطر، بل قد يدفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة.

تشير بيانات وزارة الداخلية الموريتانية إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بالهجرة انخفض إلى نحو 3090 حالة في 2025 مقارنة بـ10457 في عام 2024، في حين سجلت منظمة “كاميناندو فرونتيراس” الحقوقية 1319 ضحية ومفقوداً في طريق الهجرة عبر موريتانيا، مع فقدان 17 قارباً بالكامل وقد شهد الساحل الموريتاني مآسي عدة، منها غرق قارب كان يحمل نحو 160 مهاجراً، تم العثور على 71 جثة منهم، مع استمرار فقدان آخرين، ومعظم الضحايا كانوا من السنغال ومالي وغامبيا.

حياة معلقة

أدت السياسات الجديدة إلى خلق واقع جديد يتمثل في بقاء آلاف المهاجرين عالقين داخل موريتانيا، غير قادرين على مواصلة الرحلة أو العودة، ويعيش هؤلاء في ظروف اقتصادية صعبة، ويعملون غالباً في وظائف منخفضة الأجر، مع تعرضهم المستمر لخطر الاعتقال، كما أن كثيرين منهم فروا من نزاعات مسلحة، ما يجعل خيار العودة شبه مستحيل.

وتواجه موريتانيا تدفقاً متزايداً للاجئين، خاصة من مالي، نتيجة استمرار التوترات الأمنية في منطقة الساحل، وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن البلاد تستضيف نحو 309 آلاف لاجئ وطالب لجوء بحلول منتصف 2025، بزيادة تصل إلى 75% مقارنة بالفترات السابقة، ما يعكس تصاعداً حاداً في الأزمة الإنسانية.

ضغط ديموغرافي وإنساني متفاقم

لا تقتصر التحديات على الأعداد، بل تمتد إلى تأثيرها في الموارد المحدودة للدولة. فوجود أكثر من 300 ألف لاجئ، معظمهم في مناطق حدودية فقيرة مثل الحوض الشرقي، يفرض ضغطاً هائلاً على الخدمات الأساسية مثل المياه والصحة والتعليم، ويزيد من احتمالات التوتر الاجتماعي بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، وفق مفوضية حقوق الإنسان.

انتقادات حقوقية

في ظل هذه التطورات، تواجه السياسات الموريتانية انتقادات متزايدة من منظمات حقوق الإنسان التي تتهم السلطات بممارسة الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، وتشير تقارير إلى حرمان بعض المهاجرين من الغذاء والماء الكافيين، واستخدام القوة المفرطة أثناء عمليات الاعتقال.

أثارت سياسات الترحيل المكثفة انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان التي تحدثت عن حالات احتجاز تعسفي وسوء معاملة، وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى مزاعم عن استخدام القوة المفرطة وحرمان المهاجرين من الغذاء والماء الكافيين في بعض مراكز الاحتجاز، ما يثير تساؤلات حول التزام البلاد بالمعايير الدولية.

في تقرير موسّع صدر في 27 أغسطس 2025 حمل عنوان “اتهموني بمحاولة الذهاب إلى أوروبا: انتهاكات ضبط الهجرة ونقل الاتحاد الأوروبي المسؤولية إلى موريتانيا”، وثّقت هيومن رايتس ووتش ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل قوات الأمن الموريتانية – منها الشرطة، وخفر السواحل، والدرك، والبحرية، والجيش – ضد مهاجرين وطالبي لجوء من غرب ووسط إفريقيا خلال الفترة الممتدة بين عام 2020 وبداية 2025، وأكدت المنظمة الحقوقية التي أعدت التقرير في 142 صفحة استندت فيه إلى 223 مقابلة مباشرة وعن بُعد مع ضحايا وشهود ومسؤولين أمميين وأوروبيين ومنظمات مجتمع مدني، أن الانتهاكات شملت التعذيب والاغتصاب والتحرش والعنف الجنسي، والاعتقال والاحتجاز التعسفي، والاحتجاز في ظروف غير إنسانية، والمعاملة العنصرية، وعمليات الابتزاز والسرقة، والطرد الجماعي والتعسفي لمهاجرين دون إجراءات قانونية عادلة، حتى إن بعض الأطفال كانوا محتجزين مع البالغين في ظروف مكتظة وقذرة.

كما وثّق التقرير حالات تعذيب أثناء استجوابات تتعلق بالتهم المتعلقة بتهريب المهاجرين، وأشار إلى أن أعداد المرحلين الذين طُردوا إلى مناطق صحراوية على الحدود مع مالي والسنغال بلغت عشرات الآلاف، ما عرضهم لخطر العنف وسوء الأوضاع الإنسانية. وشدّدت هيومن رايتس ووتش على أن استمرار أوروبا – وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي وإسبانيا – في دعم وتعزيز قدرات سلطات الهجرة والحدود الموريتانية دون آليات حماية حقوقية فعّالة، أسهم في تفاقم الانتهاكات وغياب المساءلة عن الممارسات التعسفية.

إشكالات قانونية ودعم لا يكفي

تثير هذه السياسات تساؤلات قانونية، خصوصاً فيما يتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يُعد حجر الأساس في القانون الدولي للاجئين، ويُلزم هذا المبدأ الدول بعدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للخطر، وهو ما يتطلب تقييماً فردياً لكل حالة، وفق مفوضية شؤون اللاجئين، وهو أمر محل جدل في السياق الموريتاني الحالي.

وتلعب المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دوراً محورياً في دعم السلطات الموريتانية لإدارة ملف الهجرة، من خلال برامج إنسانية وتقنية متعددة المستويات، في ظل ضغوط متزايدة على البلاد، وتشير بيانات المفوضية إلى أن موريتانيا تستضيف أكثر من 309 آلاف لاجئ وطالب لجوء بحلول منتصف 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، ما يعكس حجم التحدي الإنساني الذي تواجهه الدولة، وفي هذا السياق، تركز برامج الدعم على تسجيل اللاجئين بيومترياً وتوفير الحماية القانونية، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية مباشرة تشمل الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، خاصة في المناطق الحدودية ومخيمات مثل “امبرة” التي تستوعب عشرات الآلاف من الفارين من النزاعات.

كما تدير المنظمة الدولية للهجرة برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج التي تشكل بديلاً إنسانياً للترحيل القسري، بالتوازي مع تشغيل نظام تتبع النزوح (DTM) الذي يوفر بيانات ميدانية دقيقة حول تحركات المهاجرين واحتياجاتهم، ما يدعم اتخاذ القرار الحكومي وبالإضافة إلى ذلك، تعمل المنظمتان لتنسيق الاستجابة عبر الحدود، وتحسين قدرات إدارة الهجرة، ومنها تدريب حرس الحدود وتطوير آليات التمييز بين اللاجئين والمهاجرين ورغم هذه الجهود، تؤكد التقارير الأممية أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال مرتفعة، في ظل استمرار تدفقات اللاجئين من دول الساحل، ما يجعل الدعم الدولي عنصراً حاسماً في موازنة الضغوط الأمنية والإنسانية داخل موريتانيا.

عوامل تعقد الأزمة

في مواجهة التشديد الأمني، أعادت شبكات تهريب المهاجرين تنظيم نفسها، متجهة نحو مسارات جديدة عبر دول مثل غينيا وغامبيا، وتفرض هذه الشبكات مبالغ مالية كبيرة على المهاجرين، ما يزيد من استغلالهم ويعقّد جهود مكافحتها.

إلى جانب النزاعات والفقر، تلعب التغيرات المناخية دوراً متزايداً في دفع الهجرة من دول الساحل بحسب الأمم المتحدة، حيث يؤدي الجفاف وتدهور الأراضي الزراعية إلى فقدان سبل العيش، ويضيف هذا العامل بعداً جديداً للأزمة، يجعلها أكثر تعقيداً من أن تعالج بالحلول الأمنية فقط.

تشريعات جديدة وتشديد العقوبات

في إطار سعيها للسيطرة على الوضع، دشنت موريتانيا في فبراير 2025 محكمة جديدة مختصة بقضايا الهجرة، في إطار استراتيجية وطنية لمحاربة الهجرة غير النظامية، وينص القانون المنظم للهجرة ومكافحتها على عقوبات بالسجن من 6 أشهر إلى سنتين لكل من استخدم وثائق مزورة أو حصل عليها بهوية زائفة، أو بيانات حالة مدنية مزيّفة، وكذلك لمن زوّر تأشيرات قنصلية، أو ضمانات كاذبة، أو عقود عمل زائفة، أو بطاقات هوية أجنبية مزورة.

ويتضمن القانون إمكانية إبعاد الأجانب المخالفين للتشريعات الموريتانية الخاصة بالهجرة والإقامة، وحظر دخولهم لفترة تراوح بين سنة و10 سنوات، حسب تقدير السلطات المعنية.

كما يفرض غرامات مالية تصل إلى 5 ملايين أوقية قديمة (نحو 13 ألف دولار أمريكي)، وعقوبات بالسجن تتراوح من شهرين إلى 6 أشهر على من يدخل البلاد خارج المعابر الرسمية، أو يقيم فيها بطرق مخالفة للقوانين.

وكان آخر هذه الخطوات أيضاً مصادقة الحكومة، شهر إبريل الماضي، على مشروع قانون يتعلق بحماية الضحايا وأسرهم والشهود في قضايا الاتجار بالبشر.

وقالت الحكومة إن هذا النص سيمكن من وضع آليات للحماية والمساعدة لفائدة ضحايا الاتجار بالأشخاص، وأسرهم، والشهود، وأعوان القضاء، والمخبرين السريين، والمبلّغين.

ويشمل مشروع القانون حماية جسدية ونفسية وقانونية، إضافة إلى المساعدة القضائية، والحصانة من المتابعة، وسرية المرافعات، والحق في عدم الكشف عن هوية الضحية، فضلاً عن حماية الأطفال من قبل القطاع المكلف بالشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة.

تعكس الحالة الموريتانية تعقيد ظاهرة الهجرة غير النظامية، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع التحديات الإنسانية والقانونية، وبينما تحقق الإجراءات الأمنية نتائج ملموسة في تقليص التدفقات، فإنها تطرح في المقابل أسئلة عميقة حول كلفة هذه النتائج على حياة وكرامة المهاجرين.

في نهاية المطاف، تبدو موريتانيا عالقة في معادلة صعبة: فهي من جهة مطالبة بضبط حدودها استجابة لضغوط أوروبية، ومن جهة أخرى تواجه مسؤولية إنسانية متزايدة تجاه مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين على أراضيها، وفي ظل غياب حلول شاملة تعالج جذور الهجرة من نزاعات وفقر وتغير مناخي يبقى هذا الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث لا تزال المأساة لإنسانية تتكرر بصمت على ضفاف الأطلسي.