منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أفينستروب.. من مركز صحي إلى منشأة لترحيل المهاجرين في الدنمارك

03 أبريل 2026
مركز أفينستروب من أكثر مواقع اللجوء والعودة حساسية
مركز أفينستروب من أكثر مواقع اللجوء والعودة حساسية

في قرية معزولة داخل بلدية ليره، على بعد نحو 20 كيلومتراً من روسكيلده، يقع مركز أفينستروب، والذي يعد واحداً من أكثر مواقع اللجوء والعودة حساسية في الدنمارك، والذي يضم حالياً 185 طالب لجوء.

المركز الذي يديره الصليب الأحمر الدنماركي لا يمثل مجرد مكان إقامة مؤقت، بل حلقة أخيرة في مسار لجوء ينتهي بالرفض أو بسحب الإقامة أو بقرارات الإبعاد، حيث تُنظَّم حياة المقيمين داخله وفق منطق “الانتظار من أجل المغادرة”.

وتقول السلطات الدنماركية إن أفينستروب مخصص أساساً للعائلات التي لا تملك حق الإقامة القانوني في الدنمارك، إضافة إلى النساء العازبات، في حين يوضح الصليب الأحمر أن مهمته فيه تقتصر على توفير “حياة يومية كريمة ونشطة قدر الإمكان” ضمن الإطار الذي ترسمه سلطات الهجرة والعودة.

من مصحّ صدري إلى مركز لجوء

قصة أفينستروب أقدم بكثير من ملف اللجوء نفسه، فالموقع شُيّد أصلاً بوصفه مصحّاً لعلاج السل، وبدأ استخدامه في عام 1940 تحت اسم Avnstrup Sanatorium، وبعد ذلك تحوّل إلى مرفق للرعاية النفسية والتمريضية تابع لبلدية كوبنهاغن، قبل أن يُغلق المستشفى الرعائي في 1991.

وفي 1992 أُعيد تجهيز المكان ليصبح مركز لجوء بإشراف مديرية الأجانب، ثم تغير اسمه لاحقاً إلى “مركز الاستقبال أفينستروب”.

لكن التحول الأهم في تاريخ الموقع الحديث جاء في صيف 2020، حين افتتحه الصليب الأحمر بوصفه مركز طرد/عودة للعائلات المرفوضة طلبات لجوئها.

ووفق التقرير السنوي للصليب الأحمر لعام 2020، جاء ذلك بعد نقاش واسع في الدنمارك حول أوضاع الأطفال في مركز شيلسمارك، لتقرر السلطات نقل العائلات إلى أفينستروب مع وعود بظروف فضلى للأطفال ومساحة كبرى للحياة اليومية الطبيعية.

المركز بصيغته الحالية

النسخة الحالية من أفينستروب لم تُنشأ فقط لتوفير مكان إقامة، بل لتجميع فئة محددة من الأجانب الذين استنفدوا مسارات الحماية أو فقدوا حق الإقامة.

وبحسب صفحة “نيو تو دنمارك”، فإن المقيمين في أفينستروب هم عادة العائلات والنساء العازبات اللاتي لا يملكن حق الإقامة، ومن بينهن طالبات وطالبو لجوء رُفضت طلباتهم نهائياً، أشخاص صدرت بحقهم أحكام قضائية بالمغادرة، من أُلغي تصريح إقامتهم، أو من تعذر ترحيلهم رغم صدور أوامر مغادرة بحقهم.

وتشير الحكومة الدنماركية، في ردها على مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان، إلى أن المقيمين في أفينستروب هم “بشكل رئيس عائلات لا حق قانونياً لها في البقاء”، مع نسبة محدودة جداً ممن يُصنَّفون ضمن “الإقامة المتسامح بها”.

نظام الإقامة والإيواء

تعمل داخل هذا الإطار ثلاث جهات رئيسة: دائرة الهجرة الدنماركية التي تتولى نظام الإقامة والإيواء عموماً، وكالة العودة الدنماركية التي تشرف على ترتيبات المغادرة والواجبات المفروضة على المقيمين، والصليب الأحمر الذي يدير الحياة اليومية والخدمات الإنسانية والعملية.

ومنذ 1 أغسطس 2020 تولت وكالة العودة معظم المهام المرتبطة بتنفيذ المغادرة، في حين يظل الصليب الأحمر متعاقداً سنوياً لتشغيل عدد من المراكز، ومنها أفينستروب.

وفي 2024 جرى تجديد التعاقد مع الصليب الأحمر بعد مناقصة قانونية جديدة لتشغيل المراكز الستة القائمة.

من يقيم في أفينستروب؟

منذ افتتاح المركز بصيغته الجديدة في 2020، أصبح أفينستروب مكاناً مركزياً للعائلات التي وصلت إلى المرحلة الأخيرة من إجراءات اللجوء، وعندما اكتملت عملية نقل العائلات من مركز شيلسمارك إلى أفينستروب في نهاية 2020، أعلن الصليب الأحمر أن المركز بات يضم 73 عائلة، بينها 114 طفلاً و132 بالغاً.

ثم توسع دوره لاحقاً مع نقل 12 امرأة عازبة إليه من مركز كيرهوفدغورد، تنفيذاً لتوجه حكومي معلن في 2022 يهدف إلى خفض عدد النساء في ذلك المركز ونقلهن إلى بيئة اعتُبرت “أكثر أماناً” في أفينستروب.

كما كرر الصليب الأحمر في تقريره السنوي لعام 2024 أن النساء العازبات نُقلن في ديسمبر من ذلك العام إلى أفينستروب.

ويعني ذلك أن المركز لم يعد مخصصاً حصراً للعائلات، بل بات يجمع اليوم بين أسر مع أطفال ونساء عازبات ضمن الفئة الخاضعة لقرارات العودة، مع اختلاف أوضاع المقيمين من حيث مدى تعاونهم مع السلطات أو خضوعهم لإجراءات “دبلن” أو أوامر الإبعاد.

وتوضح مصادر مستقلة، مثل منصة “Refugees Welcome”، أن أفينستروب أصبح منذ صيف 2020 “مركزاً مشتركاً للعودة والطرد”، يضم العائلات والنساء في “المرحلة الثالثة”، سواء تعاونوا مع السلطات أم لا، في حين قد يقيم فيه أيضاً بعض الأفراد المتعاونين مع إجراءات العودة.

الدور الذي يؤديه المركز

عملياً، أفينستروب ليس سجناً ولا مركز احتجاز مغلقاً، لكنه أيضاً ليس مركز استقبال عادياً، فهو فضاء انتقال طويل الأمد بين القرار النهائي بالمغادرة وبين تنفيذ الترحيل أو العودة الطوعية.

ووفق الصليب الأحمر، فإن الهدف المعلن من تشغيله هو “خلق حياة يومية كريمة ونشطة قدر الإمكان” داخل الحدود التي تضعها سلطات الهجرة.

وفي 2020 وصف الصليب الأحمر تركيزه في المركز بأنه منصب على تقوية الأسر، وتوفير فرص نمو للأطفال، وبناء حياة يومية أقرب إلى الطبيعية، مع إشراك المقيمين في شؤونهم اليومية.

غير أن هذا الدور الإنساني يعمل داخل بنية قانونية صارمة. فبعض المقيمين في أفينستروب يخضعون لما يسمى واجب الإقامة، أي وجوب السكن في المركز والمبيت فيه ليلاً بوصفه قاعدة عامة. كما يمكن فرض واجب الإبلاغ وواجب الإخطار على من لا يتعاونون مع ترتيبات المغادرة.

وتوضح وكالة العودة الدنماركية أن المقيم يمكنه التقدم بطلب للمبيت خارج المركز حتى 4 ليالٍ شهرياً، والحد الأقصى ليلتان متتاليتان، إذا وجدت أسباب خاصة مثل العلاج الطبي أو زيارة الأسرة أو الأصدقاء.

أما من لا يتعاون مع العودة فقد يُطلب منهم الحضور الشخصي المتكرر للإبلاغ لدى الوكالة، وهي النقطة التي ظهرت أيضاً في تقرير الصليب الأحمر عن أوضاع الأطفال في أفينستروب.

الخدمات اليومية للمركز

رغم طبيعته بوصفه مركز عودة، يقدم أفينستروب مجموعة خدمات يومية تجعل منه أقرب إلى “مجمع إقامة قسري طويل الأمد” لا مجرد محطة عبور.

الصليب الأحمر يذكر أن إدارته المراكز تشمل المدارس، والرعاية النهارية، والعيادات الصحية، والأنشطة المجتمعية، والتعليم للكبار.

وبالنسبة إلى أفينستروب تحديداً، تؤكد الصفحة الرسمية للمركز أن الصليب الأحمر مسؤول عن التشغيل اليومي وتوفير “مجموعة من العروض والأنشطة” للمقيمين.

وأحد أبرز التغييرات العملية كان نظام الطهي الذاتي، ففي بداية 2021 أطلق الصليب الأحمر برنامجاً يسمح للعائلات في أفينستروب بطلب مكونات الطعام وطهي وجباتها بنفسها، بعد أن كان الطعام يقدم جاهزاً كما في مراكز أخرى.

ووصف الصليب الأحمر هذه الخطوة بأنها تنفيذ لآخر توصيات تقريره عن أوضاع الأطفال في شيلسمارك، في حين تؤكد صفحة الحكومة أن العائلات في أفينستروب يمكنها طهي طعامها بنفسها، وتتلقى النساء العازبات ثلاث وجبات يومياً على غرار مراكز العودة الأخرى.

مدرسة داخل المركز

في ملف التعليم، يتميز أفينستروب بأنه ليس مجرد مكان إقامة للعائلات، بل يضم مدرسة تابعة للصليب الأحمر، وتوضح شبكة مراكز الصليب الأحمر أن هناك “مدرسة الصليب الأحمر في أفينستروب” ضمن بنية المركز.

كما يذكر الصليب الأحمر أن جميع الأطفال من سن 6 إلى 16 عاماً يذهبون إلى المدرسة، ويتلقون مواد مماثلة لتلك الموجودة في المدارس الحكومية الدنماركية، مثل اللغة الدنماركية والرياضيات والإنجليزية والعلوم والموسيقى والتربية البدنية والفنون.

ويبدأ الأطفال عادة في “صف قوس قزح” المخصص للوافدين الجدد، ثم يمكن نقلهم إلى المدارس الحكومية المحلية عندما يراهم المعلمون جاهزين أكاديمياً واجتماعياً.

أفينستروب لا يعزل الأطفال تعليمياً بالكامل، بل يحاول دمج بعضهم تدريجياً خارج أسواره، لكن هذه الميزة نفسها تنطوي على هشاشة شديدة؛ لأن أي عائلة قد تُرحّل في أي لحظة، ما يقطع الروابط التي بدأ الطفل في بنائها في المدرسة والمجتمع المحلي.

وقد ظهر هذا التوتر بوضوح في لقاءات نظمها الصليب الأحمر حول المركز، حيث كان من بين القضايا المطروحة أثر انتقال الأطفال بين المراكز والمدارس عندما تتغير أوضاع ملفات أسرهم.

الحضانة والرعاية المبكرة

بالنسبة للأطفال الأصغر سناً، يقدم الصليب الأحمر نموذج حضانة/روضة للأطفال بين 3 و5 أعوام. وتشدد المنظمة على أن وجود مكان “آمن ومألوف” للأطفال ضروري لرفاه الأسرة بأكملها؛ لأن الوالدين يحتاجان بدورهما إلى حضور مقابلات أو متابعة شؤونهم أو المشاركة في أنشطة أخرى.

وتعمل هذه الروضات وفق نموذج تربوي يسمى STROF يقوم على: البنية، والحديث مع الطفل، والطقوس، والأنشطة المنظمة، والتعاون مع الوالدين، مع تركيز خاص على الأطفال الذين مروا بصدمات أو اضطراب طويل الأمد.

كما أن الحضانات مفتوحة 25 ساعة أسبوعياً وتخضع لإشراف السلطات المحلية، بحسب الصليب الأحمر.

وترى الأسر التي شاركت في المقابلات أن هذه التغييرات حسّنت بعض جوانب الحياة اليومية، وإن لم تُنهِ المشكلات العميقة المرتبطة بطول الانتظار ورفض اللجوء.

الصحة والرعاية النفسية

يوفر الصليب الأحمر في مراكزه، ومنها أفينستروب، رعاية صحية ونفسية أولية عبر ممرضات، وأخصائيات زيارة صحية، وأطباء، وأخصائيين نفسيين لديهم خبرة في التعامل مع من مروا بالحرب والفرار والصدمات الطويلة.

وتوضح المنظمة أن الأطفال طالبي اللجوء يتمتعون بالحق نفسه في العلاج الصحي الذي يتمتع به الأطفال الدنماركيون، في حين يملك البالغون حق الوصول إلى العلاج الضروري أو العاجل أو المسكن للألم؛ لأنهم لا يشملهم نظام التأمين الصحي الوطني كالمواطنين.

كما أكدت الحكومة الدنماركية أمام مجلس أوروبا أن جميع المقيمين في أفينستروب لديهم وصول إلى الرعاية الصحية الضرورية، ومنها الرعاية العاجلة وتخفيف الألم.

لكن أهمية هذا الجانب لا تأتي فقط من الخدمة الصحية نفسها، بل من كونه يكشف عمق الأزمة النفسية داخل المركز، ففي تقرير الصليب الأحمر عن رفاه الأطفال والشباب في أفينستروب، تحدث العاملون الصحيون عن أطفال صغار لديهم ضعف في التواصل البصري، وقلة في التعبير الوجهي، واضطرابات نوم وأكل، ومشكلات بدنية مرتبطة بالضغط النفسي.

الأنشطة والحياة الاجتماعية

يحاول الصليب الأحمر الحد من الجمود داخل أفينستروب عبر أنشطة يومية ومبادرات مجتمعية، ففي تقرير 2023 عن المركز، أشار إلى وجود متجر للملابس المستعملة وأنشطة مثل اللياقة البدنية، والحلاقة، والبلياردو، والمقهى، يدير بعضها المقيمون أنفسهم بالتعاون مع متطوعين، كما يمكن للأطفال بين 6 و16 عاماً المشاركة عبر النادي في أنشطة محلية خارج المركز.

وفي 2024 ذكر الصليب الأحمر أنه تعاون مع شركات مثل LEGO وIKEA لتجديد المراكز وخلق أنشطة جديدة مع المقيمين، مع استمرار حضور المتطوعين في تحسين البيئة المعيشية داخل المراكز.

هذه الأنشطة لا تلغي الطبيعة القسرية للمكان، لكنها توضح أن المركز لا يعمل فقط بوصفه مرفقاً إدارياً، بل مجتمع صغير مكتفٍ نسبياً ببعض الوظائف اليومية.

ومع ذلك، يقر الصليب الأحمر نفسه بأن هدفه ليس “تطبيع” بقاء الناس سنوات طويلة في هذه البيئة، بل فقط تخفيف آثار الانتظار.

المشورة القانونية ومشورة العودة

إلى جانب دور الصليب الأحمر، يوجد في أفينستروب حضور استشاري للمجلس الدنماركي للاجئين الذي يقدم استشارات مستقلة ومجانية لطالبي اللجوء حول العودة وإعادة الاندماج والإجراءات القانونية.

ويذكر المجلس بوضوح أن بإمكان طالبي اللجوء زيارة مستشاريه في مكتب داخل مركز أفينستروب كل يوم اثنين، مع التزام كامل بالسرية.

وفي هذا الإطار، تؤكد وكالة العودة أن لديها برامج دعم للعودة وإعادة الاستقرار للأشخاص المؤهلين، بهدف مساعدتهم على إعادة بناء حياتهم في بلدهم الأصلي أو بلد الإقامة السابق.

وبالتالي فإن أفينستروب يؤدي وظيفة مزدوجة: الضغط الإداري لتنفيذ المغادرة، وتقديم قنوات رسمية للعودة “المنظمة”.

أثر المركز في الأطفال

تقرير الصليب الأحمر الصادر في أبريل 2023 حول رفاه الأطفال والشباب في المركز وصف الوضع بأنه “مقلق”، وذكر أن 56% من الأطفال الذين شملتهم الدراسة لديهم صعوبات كبيرة تؤثر في رفاههم وقدرتهم على العمل في الحياة اليومية.

كما أظهر أن الأسر الـ16 التي شاركت في الفحوص النفسية كانت قد أمضت في المتوسط 8 سنوات داخل نظام اللجوء الدنماركي، وتنقلت في المتوسط 7 مرات بين المراكز المختلفة.

التقرير نفسه يخلص إلى أن بعض التحسينات في أفينستروب -مثل الحضانة، وتقوية العروض التربوية، والطهي الذاتي- كان لها أثر إيجابي في الحياة اليومية، لكن الظروف الأساسية نفسها، أي رفض اللجوء وطول الإقامة وعدم اليقين وواجبات الحضور والإبلاغ، تواصل التأثير سلباً في الأطفال واليافعين والآباء.

وبعبارة أخرى.. المشكلة ليست فقط في الخدمات، بل في بنية المركز ووظيفته السياسية.