تأتي الأعياد والمناسبات الدينية لتطرق أبواب العالم محملة بنسائم البهجة والسلام، وكأنها نافذة ضوء تسعى لإنارة الطريق للبشر، غير أن هذا الضوء سريعا ما يتوارى خلف أصوات القذائف والبنادق في مناطق الصراعات والحروب، حيث لا تستقبل الأعياد بالزينة والأفراح، بل بدماء الضحايا ودموع المقهورين، وتتحول المناسبات التي وُجدت للاحتفاء بالحياة إلى لحظات من المواجهة القاسية مع الفقد والقتل والدمار.
وفي الأزمنة الخالية من الحروب، تمثل الأعياد الدينية لحظات للتسامح والتلاقي ونبذ الخصومة والعداء، لتكون دعوة ضمنية للهدنة الإنسانية، ليس فقط بين الأفراد، بل بين المجتمعات والدول أيضا، لكن في أزمنة الحروب والصراعات، تتنحى هذه القيم جانبا وتعلو أصوات المدافع فوق أي نداء روحي، وتصبح أقسى من أي تقليد إنساني.
وفي المناطق المأزومة، لا تعني الأعياد سوى مزيد من القلق والخوف، فالأطفال الذين كانوا ينتظرون ملابس جديدة أو ألعابا بسيطة، ينتظرون يوما دراسيا لا يُؤجل، أو حتى لحظة أمان عابرة لا يعكرها صوت انفجار، والأمهات اللواتي اعتدن إعداد موائد العيد، يكتفين بإحصاء الغائبين، أو البحث عن وسيلة لحماية ما تبقى من أسرهن، أما الآباء فيحملون عبء العجز بين رغبتهم في توفير الأمان، وواقع يفرض عليهم العيش تحت تهديد دائم.
والهدنة الدينية، التي طالما كانت جزءا من التقاليد الإنسانية في أزمنة سابقة، تبدو اليوم غائبة أو مُهمشة، إذ لم تعد الأعياد تشكل رادعا أخلاقيا كافيا لوقف إطلاق النار، ولا حتى فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، بل إن بعض الصراعات تشهد تصعيدا خلال هذه المناسبات، وكأنها لحظات يُعاد فيها التأكيد على القسوة والعنف بدلا من الرحمة والتأخي.
وهذا الغياب لا يعكس فقط تعقيدات الجيوسياسية، بل يشير إلى تراجع مقلق في البعد الإنساني للصراعات، حين تفقد الأعياد قدرتها على فرض هدنة إنسانية -ولو مؤقتة وقصيرة- ما يكشف عن عالم تتآكل فيه القيم المشتركة، وتتراجع فيه الأولويات الأخلاقية أمام حسابات القوة والنفوذ والسلاح.
ويحتفل المسيحيون في العالم بعيد القيامة الذي يأتي متقاطعا مع أجواء أعياد الربيع التي تحمل في جوهرها رمزية الحياة والتجدد والازدهار والخصوبة، حيث تتفتح الطبيعة وتستعيد الأرض نبضها بعد سكون الشتاء، وعلى امتداد المنطقة، تأتي هذه المناسبات محملة بطقوس اجتماعية وإنسانية تعزز قيم التعايش والتسامح.
غير أن هذه الرمزية المفعمة بالأمل تصطدم في مناطق النزاع، بواقع قاس يحول دون اكتمال طقوس الفرح، لتبقى الأعياد هناك مجرد تذكير مؤلم بالفجوة بين ما ينبغي أن يكون، وما تفرضه الحروب من قيود على أبسط مظاهر الحياة، لتضع ضمير العالم أمام اختبار حقيقي.
الأعياد في لبنان على وقع الغارات
في السياق، يدخل اللبنانيون موسم الأعياد مثقلين بالحزن لا بالاحتفال؛ فبدل أن تكون الأيام مناسبة للصلاة ولمّ الشمل، جاءت تحت وقع الغارات والإنذارات والحداد.
في عيد الفصح نفسه، قُتل 11 شخصًا على الأقل في لبنان، بينهم طفل عمره 4 سنوات، فيما قالت وكالة رويترز إن البلاد كانت تعيش أحد أكثر أيامها عنفًا منذ تجدد الحرب، في وقت تجاوز فيه عدد القتلى منذ مطلع مارس 1,461 قتيلًا، وتجاوز عدد النازحين مليون شخص.
ثم جاءت ضربات 8 أبريل لتزيد المأساة قسوة، بعدما أسفرت عن أكثر من 250 قتيلًا وأكثر من 1,100 جريح في يوم واحد هو الأكثر دموية في هذه الجولة من الحرب.
وسط هذا الخراب، يبدو حزن كبار السن مضاعفًا لأنهم يواجهون النزوح والخوف والوحدة في سن يحتاجون فيه إلى الأمان، فيما تتحمل النساء عبء حماية الأسر وتدبير النجاة تحت ضغط نفسي هائل، وتقدّر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن ربع النساء والفتيات في لبنان نزحن منذ 2 مارس.
أما الأطفال، فقد سُرقت منهم فرحة العيد وحلّت مكانها أصوات القصف واللجوء والبحث عن مأوى، ليصبح العيد في لبنان هذا العام ذكرى موجعة عن بلد كان يفترض أن يحتفل، فإذا به يدفن ضحاياه.
عوامل الغياب
بدوره، عزا الحقوقي الدكتور صلاح عبد العاطي، غياب الهدنة الدينية في النزاعات المسلحة إلى حزمة عوامل سياسية ودولية وعسكرية، والتي يأتي أبرزها متمثلا في غياب آليات التنفيذ الدولية الفاعلة، حيث يحرم القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين ويشجع على إقرار الهدنة الإنسانية خلال المناسبات الدينية، لكنه يظل عاجزا عن فرض الالتزام في ظل انعدام المحاسبة الجدية، ما يجعل الامتثال له شكليا أو معدوما.
ويضيف عبد العاطي، في حديث لـ”صفر”: “السبب الثاني يتمثل في سعي الدول والأطراف المتنازعة إلى تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، حيث تستغل هذه الأطراف الانشغال المجتمعي بالمناسبات الدينية كأداة للضغط النفسي أو لتحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض”.
ويرى أن ضعف القيم الإنسانية المشتركة، إلى جانب الانقسامات الدينية، يشكلان سببا ثالثًا في غياب الهدنة الإنسانية، إذ لا تتقاسم جميع الأطراف ذات القدر من الاحترام للطقوس الدينية أو تقديرها، ما يحد من إمكانية التوافق على وقف مؤقت لإطلاق النار والقتال.
ويمضي قائلا: “السبب الرابع يتمثل في تراجع فاعلية منظومة حقوق الإنسان الدولية، في ظل غياب الردع وازدواجية المعايير، وضعف تنفيذ القرارات الدولية، بما يعكس قصورا واضحا في حماية المدنيين خلال النزاعات”.
مسارات الحلول
وفي سياق الحلول، طرح عبد العاطي، أربعة مسارات رئيسية يمكن أن تسهم في ترسيخ الهدن خلال الأعياد الدينية، أولها في إنشاء إطار حقوقي ملزم، عبر إصدار قرارات أممية واضحة تفرض وقفا مؤقتا للأعمال العدائية خلال الأعياد، مع آليات متابعة ومساءلة فورية للمخالفين.
أما المساران الثاني والثالث، يكمنان في تفعيل الضغط الدبلوماسي والوساطة الدولية، من خلال إشراك الأمم المتحدة والفاعلين الإقليميين لضمان الالتزام بالهدنة، إلى جانب تعزيز الدور الديني والمجتمعي عبر إشراك القيادات الدينية والشخصيات المؤثرة لإضفاء شرعية أخلاقية على هذه الهدن.
ويتمثل المسار الرابع في تعزيز الرصد والمساءلة الإعلامية، عبر توثيق أي انتهاكات خلال الأعياد، بما يسهم في خلق ضغط شعبي ودولي يدفع نحو احترام هذه الفترات الإنسانيةن مؤكدا أن غياب الهدنة خلال الأعياد يكشف عن خلل بنيوي في منظومة حماية حقوق الإنسان عالميا، يتجلى في ضعف الردع الدولي، وتراجع دور الأمم المتحدة، وتقاعس الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف.
واختتم حديثه، قائلا، إن “ترسيخ الهدنة الإنسانية خلال الأعياد الدينية يظل ممكنا، شريطة توافر إرادة دولية حقيقية، وتفعيل آليات حقوقية صارمة، إلى جانب دور ديني ومجتمعي فاعل مدعوم بجهود إعلامية مؤثرة”.
سلوك أطراف النزاع
ووفق ما رأه الدكتور أحمد غازي، المدير الإقليمي في المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، فإن غياب الهدن الإنسانية في الأعياد أو المناسبات الدينية “لم يعد أمرا استثنائيا”، بل بات ظاهرة متكررة تعكس تحولات مقلقة في طبيعة الصراعات والنزاعات المسلحة.
وأوضح غازي، في حديثه لـ”صفر”، أن هذا الانتهاك يمثل مؤشرا واضحا على تراجع الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، فضلا عن المواثيق والأعراف الدولية التي يفترض أن تشكل إطارا منظما لسلوك أطراف النزاع.
وأضاف: “من المفترض أن تمثل هذه المناسبات مساحة إنسانية وأخلاقية تلتزم بها جميع الأطراف، إلا أن الواقع الراهن يكشف أن الاعتبارات الإنسانية لم تعد ضمن أولويات الصراعات في ظل تصاعد النزاعات العسكرية”.
وتابع: “ما نشهده اليوم في مناطق عدة، مثل غزة ومناطق مختلفة من الشرق الأوسط، يعكس حالة من التجاهل الصريح للقانون الدولي الإنساني، بل إن التعامل معه يتم أحيانا باعتباره غير ملزم عندما يتعارض مع المصالح السياسية أو العسكرية للأطراف المتنازعة”.
غياب الإرادة الدولية
وأشار غازي، إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يرتبط بطبيعة المنظومة الدولية ذاتها، موضحا أنها تقوم في الأساس على مدى التزام الدول بالقانون الدولي، وهو ما يحدد درجة فاعليتها، مضيفا: “في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لدى الدول، تظل القواعد الدولية محدودة التأثير وضعيفة النفاذ”.
وفيما يتعلق بإمكانية ترسيخ السلام خلال الأعياد الدينية، شدد غازي على أن الأمر يتطلب تحركا جادا يتجاوز حدود الدعوات الأخلاقية، نحو تفعيل حقيقي لآليات المساءلة الدولية وفقا للمواثيق والأعراف المعمول بها.
وأكد على أهمية ممارسة ضغط دولي متوازن لإلزام أطراف النزاع بوقف إطلاق النار، ولو بشكل مؤقت خلال هذه المناسبات، مشيرا إلى ضرورة أن تضطلع المنظمات الدولية بدور أكثر فاعلية واستقلالية، بما يمكنها من التحرك بعيدا عن حسابات التوازنات السياسية لفرض الهدن الإنسانية في الأعياد الدينية.
وخلص أحمد غازي إلى أن احترام الأعياد الدينية في أزمنة الحروب لا يعد مسألة رمزية أو أخلاقية فحسب، بل يمثل اختبارا حقيقيا لمدى التزام المجتمع الدولي بالقيم الإنسانية، مشيرا إلى أن هذا الالتزام كان حاضرا في بعض الحروب السابقة، وأن استمرار تآكله اليوم يستدعي مراجعة جادة وشاملة لفاعلية النظام الدولي وآليات تطبيقه.
