في العاصمة المالية باماكو، لا يبدو المعهد الوطني للمكفوفين مجرد مؤسسة تعليمية متخصصة، بل مساحة نادرة يحاول فيها الأطفال والشباب ذوو الإعاقة البصرية أن ينتزعوا حقهم في التعلّم والحركة والاستقلال داخل بلد يواجه أزمات متراكمة في التعليم والحماية والخدمات.
وفي هذا المكان تتجاور القصص اليومية البسيطة مع أسئلة كبرى عن العدالة والحق في التعليم والاندماج، خصوصاً حين يكون الطفل الكفيف أو ضعيف البصر مضطراً أصلاً إلى مواجهة الفقر ونقص الوسائل التعليمية والحواجز الاجتماعية في آن واحد.
المعهد بات يُقدَّم بوصفه نموذجاً محلياً للتعليم الدامج، لأنه لا يقتصر على استقبال المكفوفين وضعاف البصر، بل يدمج أيضاً بعض التلاميذ المبصرين في نظام يقوم على المرافقة والتعاون داخل الصفوف.
هذا النموذج لا ينفصل عن تاريخ المؤسسة نفسها، فالمعهد أُنشئ عام 1973 تحت اسم معهد الشباب المكفوفين، في إطار جهود الاتحاد المالي للمكفوفين الذي تأسس قبل ذلك بوقت قصير للدفاع عن تعليم الأشخاص المكفوفين وإعادة تأهيلهم.
وعلى مدى نصف قرن، صار المعهد أحد أبرز عناوين تعليم ذوي الإعاقة البصرية في مالي، وارتبط اسمه أيضاً بأسماء معروفة، أبرزها الثنائي الموسيقي أمادو ومريم اللذان درسا فيه قبل أن يصبحا من أشهر وجوه الموسيقى الإفريقية عالمياً.
دراسة في ظروف صعبة
لكن رمزية المعهد لا تعني أن أوضاعه سهلة، فالمؤسسات الداعمة له تتحدث بوضوح عن هشاشة الظروف، مؤسسة UEFA التي دعمت برامج رياضية في المعهد قالت في 2023 إن المؤسسة تستقبل نحو 250 طفلاً يعيشون ويدرسون في ظروف صعبة، في حين أكدت تقارير محلية أن الحاجة إلى الوثائق والكتب المطبوعة بطريقة برايل ما تزال من كبرى التحديات التي تواجه التلاميذ والمدرسين.
وذكرت وكالة الأنباء المالية AMAP في تقرير عن الفتيات غير المبصرات أن النقص في التوثيق البرايلي يبقى من أبرز العقبات التعليمية داخل المؤسسة.
ومع ذلك، فإن ما يمنح المعهد فرادته هو فكرة الرفقة داخل التعليم. ففي تقرير نُشر في مارس 2025، وُصفت الحياة المدرسية في المعهد بأنها تقوم على نظام وصاية/مرافقة يساعد فيه تلاميذ مبصرون زملاءهم المكفوفين أو ضعاف البصر داخل الصفوف وخارجها، من التنقل داخل المدرسة إلى متابعة الدروس والأنشطة اليومية.
وفي مثال محلي آخر نشرته وسائل إعلام مالية في ديسمبر 2025، وُصفت إحدى الصفوف بأنها تضم 52 تلميذاً، بينهم 35 مبصراً و5 ضعاف بصر و12 كفيفاً، يتابعون المنهاج نفسه داخل فصل واحد.
هذا لا يجعل المعهد “معجزة مكتملة”، لكنه يوضح أن الدمج هنا ليس شعاراً، بل ممارسة يومية مبنية على التفاعل البشري المباشر.
أزمة تعليمية كبيرة
الحديث عن هذا المعهد يصبح أكثر أهمية إذا وُضع في السياق الوطني الأوسع، فمالي تواجه أزمة تعليمية كبيرة، واليونيسف تقول إن أكثر من مليوني طفل بين 5 و17 عاماً خارج المدرسة، في حين أشار تقريرها السنوي لعام 2024 إلى أن أكثر من 3.3 مليون طفل في سن الدراسة تأثروا بالخروج من التعليم بسبب انعدام الأمن والفيضانات وضعف البنية التحتية.
وتضيف اليونيسف أن الفئات الأكثر تهميشاً، ومنها فئة الأطفال ذوي الإعاقة، هي الأكثر تضرراً من هذا التراجع. وفي بلد بهذا الحجم من الانقطاع التعليمي، يصبح وجود مؤسسة متخصصة وقادرة على إبقاء الأطفال المكفوفين داخل المدرسة أمراً تتجاوز قيمته حدود المؤسسة نفسها.
ولا تتوقف التحديات عند التعليم العام، بل تشمل تحديداً الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، فمبادرة Sightsavers المعنية بالتعليم الدامج تقول إن مالي لا تضم سوى ثلاث مدارس خاصة رئيسية مهيأة للأطفال ذوي الإعاقات البصرية في المدن الكبرى، وإن عدداً محدوداً فقط من الأطفال ذوي الإعاقات البصرية الشديدة يتمكنون من الوصول إلى هذه المدارس.
كما تشير دراسات ميدانية مرتبطة بمالي إلى أن التعليم الجيد للأطفال المكفوفين في إفريقيا جنوب الصحراء ما يزال استثناءً أكثر منه قاعدة، وأن النقص في المعلمين المدرَّبين والمواد البرايلية والأجهزة المساعدة يظل من أكبر المعوقات.
البعد الصحي يضيف طبقة أخرى من التعقيد، دراسة منشورة على PubMed عن أسباب العمى لدى الأطفال الملتحقين بمدرسة للمكفوفين في مالي شملت 104 أطفال، وخلصت إلى أن 85.6% منهم كانوا فاقدي البصر، مقابل 14.4% لديهم ضعف بصري، وأن من أبرز أسباب العمى عتامات القرنية وإصابات شديدة في مقلة العين.
وهذه النتائج تبيّن أن كثيراً من التلاميذ يصلون إلى المدرسة بعد مسارات صحية صعبة أصلاً، ما يجعل المعهد ليس فقط مكان تعليم، بل أيضاً مساحة لإعادة بناء الثقة والقدرة على التكيّف مع الإعاقة.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
ومن الزاوية الحقوقية، فإن أهمية المعهد أكبر من حجمه، فمالي طرف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وقد أكدت في تقريرها إلى الأمم المتحدة أنها اعتمدت سياسة وطنية للتعليم الخاص والتعليم الإدماجي، كما أقرّت قانون 2018-052 المتعلق بحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وهذه النصوص تعني، نظرياً، أن التعليم ليس خدمة خيرية للمكفوفين، بل حق يجب أن تكفله الدولة على أساس المساواة وعدم التمييز.
لكن الفجوة بين النص والتطبيق ما تزال واسعة، وهو ما يجعل دور مؤسسات مثل معهد باماكو مضاعفاً: فهي تقوم بوظيفة تربوية، لكنّها في الوقت نفسه تسد ثغرة في ضمان حق أساسي لم يتحقق بعد على النحو الكافي.
كما أن قضية الدمج في المعهد تتقاطع مع قضية الكرامة، فالأطفال المكفوفون لا يحتاجون فقط إلى الصف والكتاب، بل إلى بيئة تعترف بأنهم أقران كاملون لا عبء.
تقارير عن التعليم الدامج في مالي تُظهر أن المشكلة ليست فقط في الوصول إلى المدرسة، بل في نظرة المجتمع، وفي البنية الحضرية غير المهيأة، وفي نقص المعلمين المدرَّبين على أساليب التدريس الدامج.
ولذلك فإن قيمة هذا المعهد تكمن أيضاً في أنه يقدّم للمجتمع نموذجاً معاكساً: الطفل الكفيف ليس معزولاً في هامش المؤسسة، بل حاضر داخل الصف وفي الرياضة وفي النشاط الثقافي وفي الحياة اليومية.
أزمة التعليم والإعاقة
وفي النهاية، قد لا يكون المعهد الوطني للمكفوفين في باماكو قادراً وحده على حل أزمة التعليم والإعاقة البصرية في مالي، لكنه يقدم شيئاً بالغ الأهمية.. إثباتاً يومياً على أن الدمج ممكن، وأن فقدان البصر يجب ألا يعني فقدان الحق في المدرسة أو الاستقلال أو الحلم.
وفي بلد يرزح تحت ضغط أمني وتعليمي واقتصادي كبير، تبدو هذه المؤسسة أشبه بجزيرة صغيرة من الإصرار؛ مكان لا يُدرَّس فيه برايل فقط، بل يُدرَّس أيضاً معنى ألا يُترك الطفل خارج العالم لأنه لا يراه.

