منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة إنسانية وحقوقية.. الانتحار ينهي حياة 720 ألف شخص سنوياً حول العالم

12 أبريل 2026
الانتحار ظاهرة إنسانية وحقوقية تزايدت معدلاتها عالميا خلال السنوات الأخيرة
الانتحار ظاهرة إنسانية وحقوقية تزايدت معدلاتها عالميا خلال السنوات الأخيرة

تعيد واقعة انتحار البلوغر المصرية بسنت سليمان في الإسكندرية طرح سؤال أوسع من الحادثة نفسها: كيف تتعامل الدول العربية مع الانتحار، لا بوصفه خبرًا صادمًا أو واقعة جنائية فحسب، بل كقضية صحة عامة وحقوق إنسان وسياسة اجتماعية؟

ويقع الانتحار في المنطقة العربية عند تقاطع معقد بين الضيق الاقتصادي، والوصمة الاجتماعية، وضعف خدمات الصحة النفسية، والنزاعات، وأحيانًا المقاربة القانونية العقابية بدل المقاربة العلاجية.

وعلى المستوى العالمي، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون سنويًا بسبب الانتحار، وأنه ثالث سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، فيما يقع 73% من حالات الانتحار في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

الانتحار في الدول العربية

ما يجعل المقارنات الدقيقة لحالات الانتحار في الدول العربية صعبة، أنه لا توجد قاعدة عربية موحدة ترصد الانتحار ومحاولاته في جميع الدول العربية بطريقة واحدة.

كما أن العالم العربي موزع مؤسسيًا بين إقليمين في منظمة الصحة العالمية، فمعظم الدول العربية تقع ضمن إقليم شرق المتوسط، بينما تقع الجزائر وموريتانيا وجزر القمر ضمن الإقليم الإفريقي، ما يزيد من تشتت البيانات الإقليمية.

لهذا السبب، فإن أي تقرير جاد عن الانتحار عربيًا يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن ضعف التسجيل والوصمة الاجتماعية والتكييف القانوني المختلف تجعل الأرقام الرسمية أقرب إلى الحد الأدنى من الظاهرة لا إلى حجمها الكامل.

ومع ذلك، توفر منظمة الصحة العالمية صورة عامة مهمة عن المنطقة، ففي تحليلها لإقليم شرق المتوسط، قدّرت المنظمة أن 41,672 شخصًا كانوا يفقدون حياتهم سنويًا بسبب الانتحار خلال الفترة 2000–2019، وأن 74% من هذه الوفيات كانت بين الذكور.

وقدرت المنظمة المعدل العمري المعياري للانتحار في الإقليم بنحو 6.4 لكل 100 ألف نسمة، مع تراجع عام بنسبة 7.6% خلال تلك الفترة، لكن مع اتجاهات غير متساوية بين الدول؛ إذ سجلت المنظمة أكبر انخفاضات في الأردن وقطر والإمارات بين 2000 و2019، كما أشارت منظمة الصحة العالمية لاحقًا إلى أن معدلات الانتحار في إقليم شرق المتوسط انخفضت 17% منذ 2019.

دوافع الانتحار بالمنطقة العربية

لا تختزل منظمة الصحة العالمية الانتحار في سبب واحد، بل تؤكد أن أسبابه متعددة ومتشابكة وتشمل عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية وبيئية واقتصادية عبر مراحل الحياة.

وفي السياق العربي، أظهر تحليل إقليم شرق المتوسط أن التاريخ المرضي للاضطرابات النفسية، خصوصًا الاكتئاب أو إيذاء النفس سابقًا، يتكرر بدرجة أعلى بين من يظهر لديهم سلوك انتحاري، كما ترتبط الظاهرة في المنطقة أيضًا بـ”ضعف الوصول إلى خدمات الصحة النفسية”، ما يجعل المشكلات النفسية أقل تشخيصًا وأكثر تراكمًا.

وتضيف الأدبيات الإقليمية التي جمعتها منظمة الصحة العالمية أن الخلافات الأسرية، والعنف المنزلي، والإساءة، والمشكلات بين الأجيال، والضغوط المرتبطة بالزواج داخل البيئات الأبوية، والعقم لدى بعض النساء، كلها عوامل وردت في دراسات عديدة بوصفها محفزات أو سياقات خطر.

وأشارت المنظمة إلى هشاشة خاصة لدى اللاجئين والعمال المهاجرين وبعض الفئات التي تعيش على هامش الحماية الاجتماعية، وهذا مهم عربيًا لأن المنطقة شهدت خلال العقدين الأخيرين حروبًا ونزوحًا واسعًا وانهيارات اقتصادية متكررة، وهي كلها عوامل تزيد الهشاشة النفسية والاجتماعية.

كذلك تربط منظمة الصحة العالمية بين الأزمات الاقتصادية والبطالة والضغوط المالية وبين ارتفاع السلوك الانتحاري، وهو ما يجعل الملف العربي غير منفصل عن تراجع مستويات المعيشة وارتفاع الديون الفردية والبطالة في عدد من البلدان.

واللافت أن المنظمة ترفض التبسيط الذي يرد كل حالة إلى “خلاف عاطفي” أو “ضائقة نفسية” مجردة؛ إذ تؤكد أن اختزال الواقعة إلى عامل واحد يضلل الفهم العام ويضعف الوقاية.

التعامل العربي مع القضية

الموقف الرسمي في العالم العربي ليس واحدًا، بعض الدول تتعامل مع الانتحار على نحو أقرب إلى الصحة العامة والوقاية، وبعضها الآخر ما زال يقترب منه عبر الردع القانوني أو الأمني أو الأخلاقي.

ووفق تحليل منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، كانت 7 من أصل 22 دولة/إقليم فقط لديها حتى أحدث رصد متاح خطط حكومية تتضمن الوقاية من الانتحار.

وذكرت المنظمة أن الوقاية من الانتحار كانت مُدمجة داخل خطط الصحة النفسية في مصر والعراق ولبنان وتونس وأفغانستان، كما كانت مدمجة في الاستراتيجية الصحية الوطنية في قطر، بينما امتلكت إيران خطة مستقلة.

وفي جانب الخدمات، أظهر الرصد أن نحو نصف بلدان الإقليم تقريبًا كانت لديها خطوط مساعدة هاتفية، وأن 11 بلدًا أبلغت عن تدريب مهنيين صحيين على الوقاية من الانتحار.

ووفق الجدول الإقليمي نفسه، كانت مصر والسعودية والإمارات والأردن والكويت ولبنان وليبيا والمغرب وقطر والسودان من بين الدول التي أشارت المنظمة إلى وجود خطوط مساعدة فيها، مع تفاوت واضح في وجود خطط وطنية أو تدريب للكوادر أو برامج لتقييد وسائل الانتحار، وتعكس هذه الصورة أن الاستجابة الرسمية العربية موجودة، لكنها متفاوتة ومجزأة وغير متكافئة بين دولة وأخرى.

ومن الزاوية الرسمية الأوسع، أشارت منظمة الصحة العالمية في تقرير نتائجها 2024–2025 إلى توسع خدمات الصحة النفسية في 14 بلدًا في إقليم شرق المتوسط، مع تحسن إدماجها في الرعاية الأولية وتراجع معدلات الانتحار.

بين التجريم والتجريم الجزئي

قانونيًا، تظهر المنطقة العربية منقسمة، فبحسب تحليل منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، لم يكن الانتحار يُعد فعلًا مجرّمًا في مصر والعراق والكويت وليبيا والمغرب وتونس.

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي أن تعديلات دخلت حيز التنفيذ في الأردن في عام 2022 جرّمت محاولات الانتحار أو التعبير عن نية ارتكابه ضمن سياق أوسع من التعديلات القانونية المقيدة.

وفي دول أخرى، حتى عندما لا تُجرَّم محاولة الانتحار نفسها، فإن القوانين غالبًا ما تعاقب التحريض أو المساعدة أو التسهيل، وهو أمر مختلف قانونيًا عن معاقبة الشخص الذي أقدم على إيذاء نفسه.

ففي الإمارات، مثلًا، ينص قانون العقوبات الاتحادي على معاقبة من يحرض أو يساعد شخصًا آخر على الانتحار إذا شرع أو أتم الفعل نتيجة لهذا التحريض أو المساعدة.

وهذا الاتجاه موجود في كثير من القوانين المقارنة، ويعكس حرصًا على تجريم الفعل الخارجي الموجّه إلى الضحية، لا على معاقبة الضحية نفسها.

المنظور الحقوقي الدولي

ويتجه المنظور الحقوقي الدولي بوضوح إلى أن تجريم الانتحار أو محاولة الانتحار يضر أكثر مما ينفع، فمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أكدت في ورقة مفاهيمية عام 2025 أن وجود تشريعات تجرّم الانتحار في عدد من الدول يردع الناس عن طلب المساعدة، ويزيد الوصمة والخجل، ويرفع الخطر بدل أن يخفضه.

كما تدعو المفوضية إلى سياسات تشمل إلغاء التجريم، وتقييد الوصول إلى وسائل الانتحار، والاستثمار في الدعم النفسي والاجتماعي، والتشخيص المبكر، والتدخل السريع، والتغطية الإعلامية المسؤولة.

وتذهب منظمة الصحة العالمية في موجزها عن الجوانب الصحية لإلغاء تجريم الانتحار ومحاولاته إلى الرسالة نفسها تقريبًا.. الوقاية الفعالة لا تمر عبر معاقبة الشخص الذي نجا من محاولة انتحار، بل عبر إزالة الخوف من اللجوء إلى الرعاية الصحية، وتقليل الوصمة، وربط القانون بالمنظور الصحي لا العقابي.

كما تؤكد المنظمة أن خفض معدل الانتحار عالميًا جزء من أهداف التنمية المستدامة وخطة العمل الشاملة للصحة النفسية.

أما الإطار الأوسع الذي وضعته منظمة الصحة العالمية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، معًا في دليل الصحة النفسية وحقوق الإنسان والتشريع، فيدعو إلى الاعتراف بالحق في الصحة النفسية بوصفه جزءًا من الحق في الصحة، وإلى ضمان أن تكون خدمات الصحة النفسية متاحة وميسورة ومقبولة وذات جودة، وأن تُقدم على قدم المساواة مع الرعاية البدنية، مع التحول نحو خدمات مجتمعية قائمة على الحقوق لا على الوصم والإكراه.

وفي القضايا التي تتحول إلى شأن عام، كما في الحالة التي انطلقت منها، تشدد منظمة الصحة العالمية على أن التغطية الإعلامية قد تدعم الوقاية أو تضر بها.

وتوصي المنظمة الصحفيين ووسائل الإعلام بعدم نشر مقاطع الفيديو أو الصور أو الروابط الرقمية المرتبطة بالواقعة، وعدم نشر تفاصيل الرسائل الأخيرة، وعدم اختزال السبب في عامل واحد، وعدم استخدام لغة مثيرة أو وصف الطريقة المستخدمة.

وفي المقابل، توصي بإضافة معلومات تساعد الناس على طلب الدعم، والتركيز على التعافي والوقاية بدل الإثارة. هذه الإرشادات ليست تجميلًا مهنيًا، بل جزء من سياسات الوقاية من “عدوى التقليد” التي أثبتتها أبحاث عديدة.

الانتحار ليس ظاهرة هامشية

الصورة العامة في الدول العربية تقول إن الانتحار ليس ظاهرة هامشية، لكنه أيضًا ليس ظاهرًا بالكامل في الإحصاءات، وهناك بلدان بدأت تتحرك ضمن منطق الصحة العامة عبر دمج الوقاية في الخطط الوطنية، وتدريب الكوادر، وتوفير خطوط المساندة، لكن هذا التقدم لا يزال غير متكافئ.

وفي المقابل، لا تزال بعض المقاربات الرسمية تميل إلى الردع والتجريم والوصم، وهو ما يتعارض مع الاتجاه الحقوقي الدولي الذي يدعو بوضوح إلى إلغاء التجريم، وتوسيع خدمات الصحة النفسية، والتدخل المبكر، والتغطية الإعلامية المسؤولة.

وفي السياق العربي تحديدًا، تبدو المهمة الأكثر إلحاحًا هي الانتقال من التعامل مع الانتحار كخبر صادم أو ملف أخلاقي، إلى التعامل معه كقضية صحة عامة وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية.