لا يحتاج الطفل عند ولادته إلى أكثر من اعتراف القانون بوجوده، فهذه الخطوة البسيطة هي التي تفتح له أبواب التعليم، والرعاية الصحية، والجنسية، وسائر الحقوق التي يفترض أن ترافقه منذ لحظته الأولى.
لكن هناك آلاف الأطفال المولودين من زيجات غير موثقة، تتحول هذه البداية إلى أول عقبة في حياتهم، إذ يجدون أنفسهم محرومين من التسجيل المدني بسبب أوضاع قانونية لم يكن لهم أي دور في صنعها؛ فتتحول مشكلتهم من وثيقة مفقودة إلى مسار كامل من الحقوق المهددة بالضياع.
وتشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 150 مليون طفل دون سن الخامسة حول العالم ما زالوا غير مسجلين عند الولادة، فيما يعيش أكثر من 200 مليون طفل من دون شهادة ميلاد، سواء لعدم تسجيلهم أو لعدم حصولهم على وثيقة تثبت ذلك، وهو ما يحد من قدرتهم على الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحية، والحماية القانونية.
وفي العراق تؤكد الأمم المتحدة و”اليونيسف” أن تسجيل المواليد يمثل الأساس لاكتساب الهوية القانونية، فيما يفرض القانون إجراءات قضائية إضافية عند تأخر التسجيل أو غياب الوثائق المطلوبة؛ ما دعى الحكومة العراقية عام 2024، بدعم من “اليونيسف”، إلى إطلاق نظام رقمي لتسجيل المواليد بهدف تقليص الفجوات الإدارية وضمان تسجيل جميع الأطفال.
وفي الوقت نفسه، وثّقت تقارير حقوقية استمرار تأثير الزواج غير الموثق في حرمان أطفال من شهادات الميلاد والخدمات العامة، فيما أشارت بعثة الأمم المتحدة في العراق إلى أن 22% من الزيجات غير المسجلة شملت فتيات دون الرابعة عشرة، وهو ما يزيد من احتمالات إنجاب أطفال يواجهون صعوبات في إثبات النسب والتسجيل المدني.
الهوية بداية للحقوق
رغم أن تسجيل الميلاد إجراء إداري، لكنه في الواقع يمثل الأساس الذي تقوم عليه علاقة الطفل بالدولة، فمن دونه قد يواجه صعوبة في إثبات نسبه، أو الحصول على الجنسية، أو الالتحاق بالمدرسة، أو تلقي الرعاية الصحية، أو الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية.
وتظهر الهند هذا التحدي من زاوية مختلفة، فرغم التطور الكبير في أنظمة التسجيل المدني، لا تزال حالات الزواج غير الموثق في بعض المناطق الريفية والفقيرة تعيق استكمال إجراءات تسجيل الأطفال، ولا سيما عندما تقترن بالزواج المبكر أو غياب الوثائق الرسمية، الأمر الذي يبقي عددا من الأطفال خارج منظومة الحماية القانونية منذ سنواتهم الأولى.
الطفل يرث وضعاً لم يختره
يرى الخبير في القانون الدولي الدكتور صلاح الرقاد أن انعدام الجنسية يمثل انتهاكا مباشرا للحقوق الأساسية للإنسان، موضحا أن المجتمع الدولي وضع إطارا قانونيا واضحا لمعالجة هذه القضية عبر اتفاقيتي عامي 1954 و1961.
ويقول الرقاد، في حديثه لـ”صفر”، إن اتفاقية عام 1954 عرفت الشخص عديم الجنسية بأنه من لا تعتبره أي دولة من رعاياها، بينما ألزمت اتفاقية عام 1961 الدول بوضع ضمانات تحول دون وقوع الأطفال في حالة انعدام الجنسية منذ الولادة، بما في ذلك منح الجنسية لمن يولد على إقليم الدولة إذا كان سيصبح عديم الجنسية لولا ذلك.
بالنسبة للرقاد فإن المشكلة لا تكمن في غياب القواعد القانونية الدولية، وإنما في استمرار ثغرات تشريعية وإدارية داخل بعض الدول، أو في عدم مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، وهو ما يحرم الأطفال من الحقوق المرتبطة بالهوية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، وحرية التنقل، والحماية القانونية.
ويؤكد أن تسجيل المواليد وإثبات النسب يجب أن ينظر إليهما باعتبارهما وسيلتين لحماية الطفل، لا مجرد إجراءات إدارية، داعيا إلى تبسيط إجراءات التسجيل، وفصل حق الطفل في الهوية عن أي نزاع يتعلق بالوضع القانوني لوالديه، وتعزيز التعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحد من حالات انعدام الجنسية.
تطوير أنظمة التسجيل المدني
تشير التجارب الدولية إلى أن الحد من هذه المشكلة يتطلب أكثر من تطوير أنظمة التسجيل المدني، إذ يستدعي رقمنة تسجيل المواليد، وتسهيل إجراءات إثبات النسب، وربط المؤسسات الصحية بسجلات الأحوال المدنية، وإزالة القيود التي تمنع تسجيل الأطفال بسبب عدم توثيق الزواج، إلى جانب نشر الوعي القانوني في المناطق الأكثر تأثرا.
فكل طفل يحصل على هوية قانونية يكتسب في الوقت نفسه القدرة على الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، والمشاركة الكاملة في المجتمع.
وعندما يحرم الطفل من الاعتراف القانوني بوجوده، فإن ما يفقده لا يقتصر على شهادة ميلاد، بل يمتد إلى سلسلة من الحقوق التي قد تظل بعيدة عنه طوال حياته، بسبب ظرف لم يكن له أي يد فيه.

