منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ثلاث وفيات في ستة أسابيع.. مراكز احتجاز المهاجرين بأمريكا تهدد الحق بالحياة

18 أكتوبر 2026
ثلاث وفيات في ستة أسابيع.. مراكز احتجاز المهاجرين في أمريكا تهدد الحق في الحياة
ثلاث وفيات في ستة أسابيع.. مراكز احتجاز المهاجرين في أمريكا تهدد الحق في الحياة

لا يقتصر واجب السلطات تجاه الأشخاص المحرومين من حريتهم على احتجازهم وفق الإجراءات القانونية، بل يمتد إلى حماية حياتهم وسلامتهم، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية اللازمة، وصون كرامتهم الإنسانية، وتتزايد أهمية هذه المسؤولية داخل مراكز احتجاز المهاجرين، حيث يعتمد وصول المحتجزين إلى العلاج وطلب المساعدة على الإجراءات التي تتخذها الجهات المسؤولة عن إدارة المنشأة.

سلطت التطورات المتعلقة بمنشأة “كامب إيست مونتانا”، المقامة داخل قاعدة فورت بليس العسكرية في مدينة إل باسو بولاية تكساس الأمريكية، الضوء على مخاوف بشأن ظروف الاحتجاز والرعاية الطبية والرقابة، في ظل ادعاءات بسوء المعاملة والإهمال الطبي، ووقوع ثلاث وفيات خلال الأشهر الأولى من تشغيلها. وأثارت هذه الوقائع تساؤلات بشأن فاعلية آليات المساءلة وقدرتها على حماية المحتجزين من المخاطر التي يمكن تفاديها.

تهديد سلامة المحتجزين

كشفت صحيفة “الغارديان” عن إيداع قضائي جديد ضمن دعوى تتعلق بظروف الاحتجاز في المنشأة، يتضمن اتهامات بوجود مخاطر صحية وأمنية تهدد المحتجزين، طالب المدعون المحكمة بإصدار أمر قضائي أولي لتحسين ظروف الاحتجاز وفرض رقابة على تنفيذ الإجراءات المطلوبة.

ونقلت الصحيفة البريطانية عن وثائق الدعوى ادعاءات بتعرض محتجزين لإساءات جسدية ولفظية من الحراس، واستخدام القوة المفرطة، وضعف الرعاية الطبية، ونقص الطعام ومستلزمات النظافة، إلى جانب ظروف معيشية غير صحية ومخاوف من انتشار أمراض معدية، بينها الحصبة والسل، كما تضمنت الإفادات شكاوى من الجوع والإهمال الطبي ووقائع إصابات خطِرة، فضلاً عن شهادات خبراء حذروا من مخاطر الإصابة الخطِرة أو الوفاة داخل المنشأة.

وفي المقابل، سبق أن نفت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بشدة الاتهامات المتعلقة بوجود ظروف احتجاز غير إنسانية. وتظل الاتهامات الواردة في الدعوى ادعاءات مطروحة أمام القضاء، ولا تمثل أحكاماً نهائية تثبت مسؤولية السلطات عن الوقائع المذكورة.

مكالمات الطوارئ

وثق تحقيق مشترك أجرته صحيفة “تكساس تريبيون” ومؤسسة “بروببليكا”، ونُشر في سبتمبر 2026، أكثر من 160 مكالمة طوارئ مرتبطة بالمنشأة، وحصلت الصحفية بيرلا تريفيزو على التسجيلات عبر طلبات السجلات العامة، واستند التحقيق أيضاً إلى مقابلات مع موظفين ومسؤولين ومحامين ومحتجزين.

وأظهرت مكالمة في 12 سبتمبر 2025 أن ممرضة طلبت نقل محتجز إلى المستشفى بعدما أبلغ عن أفكار انتحارية وابتلع جسماً غريباً، في حين كان يعاني ألماً شديداً، وذكر التحقيق أن فحصاً أولياً بالأشعة أظهر وجود جسم غريب، وأن الممرضة طلبت نقله إلى المستشفى لتلقي الرعاية اللازمة.

وفي 2 نوفمبر 2025 اتصلت ممرضة بشأن امرأة تبلغ 46 عاماً مصابة بكوفيد-19، وتعاني صعوبة في التنفس وانخفاض مستوى الأكسجين، ووفق التسجيل الذي تناوله التحقيق، قالت الممرضة إن الأكسجين لم يكن متاحاً للمرأة داخل المنشأة في ذلك الوقت، وإنها طلبت الذهاب إلى العيادة قبل أيام، لكنها لم تُنقل إليها إلا يوم الاتصال.

وتناول التحقيق أيضاً مكالمات طلب فيها رجل من شمال تكساس المساعدة لشريكه الذي كان يعاني آلاماً ناجمة عن حصوات الكلى، كما عرض واقعة أخرى في 28 فبراير 2026، تتعلق بمحتجز يبلغ 60 عاماً تناول حبوباً، وقالت الممرضة إن الأمر كان متعمداً بحسب المعلومات المتاحة لها.
ونقل التحقيق كذلك إفادة محتجز فنزويلي قال إنه دخل في إضراب عن الطعام بسبب عدم حصوله على معلومات بشأن قضيته أو موعد محاكمته.

وفي رده على التحقيق، قال متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي إن المنشأة توفر خدمات طبية شاملة، منها خدمات الصحة النفسية، وإن المحتجزين الذين يحتاجون إلى مستوى أعلى من الرعاية يُحالون إلى خدمات الطوارئ المحلية، ولم يعلق المتحدث على المشكلات المحددة الواردة في المكالمات.

الرعاية النفسية

تناول تحقيق مشترك نشرته “بروببليكا” و”تكساس تريبيون” في 3 يوليو 2026 وفاة جيرالدو لوناس كامبوس، وهو رجل كوبي يبلغ 55 عاماً، توفي داخل المنشأة في 3 يناير 2026، واستند التحقيق إلى سجلات طبية ووثائق من ملف الطبيب الشرعي، وذكر أن كامبوس أبلغ العاملين مراراً عن احتياجات نفسية ومشكلات تتعلق بأدويته.

وأفاد التحقيق بأن العاملين ناقشوا مراراً نقل كامبوس إلى منشأة توفر مستوى أعلى من الرعاية الطبية والنفسية، لكن نقله لم يتم، رغم تكرار الحديث عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.
وذكر التحقيق أن الطبيب الشرعي صنف طريقة الوفاة باعتبارها “قتلاً”، وهو تصنيف طبي شرعي لا يعني بمفرده ثبوت جريمة جنائية أو إدانة شخص بعينه.

وأشار التحقيق إلى أن الرواية الأولية للإدارة وصفت الوفاة بأنها ناجمة عن ضائقة طبية، في حين قالت وزارة الأمن الداخلي لاحقاً إن الحراس استخدموا القوة لمنع كامبوس من إيذاء نفسه.

وتبرز هذه الوقائع أهمية مراجعة السجلات الطبية وتقارير استخدام القوة، والتحقق من مدى استجابة العاملين للمخاطر التي أبلغ عنها المحتجز، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة كافية لحماية سلامته.

تقرير حكومي

كشف مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، في تقرير نشره في 9 يونيو 2026، عن أوجه قصور في التخطيط والتعاقد والتفتيش والإشراف على “كامب إيست مونتانا” التي افتُتحت في أغسطس 2025 داخل قاعدة فورت بليس.

وأوضح التقرير أن الجيش الأمريكي وإدارة الهجرة والجمارك أسرعا إجراءات التعاقد والإنشاء، ما أثر في التخطيط والتوريد، كما ذكر أن المتعهد الذي اختير لإدارة الخدمات لم تكن لديه خبرة سابقة في إدارة مرافق الاحتجاز، وأن إدارة الهجرة والجمارك لم تُجرِ تفتيشاً للمنشأة قبل إسكان المحتجزين، خلافاً لسياستها.

وشملت أوجه القصور التي رصدها التقرير غياب كاميرات أمنية في محيط المنشأة، وعدم توافر مساحة للترفيه في الهواء الطلق وأماكن مخصصة لزيارة المحامين والأسر عند بدء التشغيل.
وبعد الافتتاح، أبلغت إدارة الهجرة والجمارك عن فجوات في الخدمات الطبية، وفقدان سلاح ناري محشو، وظروف غير صحية، ومشكلات أخرى شكلت مخاطر على المحتجزين والعاملين.
وأوصى المكتب بأربعة إجراءات لتحسين التعاقد والتفتيش والاستفادة من الدروس المستخلصة، وذكر أن وزارتي الأمن الداخلي والدفاع وافقتا على التوصيات، في حين ظل تنفيذ بعضها قيد المتابعة.

ثلاث وفيات

وأوضحت وكالة “رويترز”، في تغطيتها للتقرير الحكومي، أن التقرير تناول أوجه قصور في التعامل مع حالتي وفاة وقعتا داخل المنشأة في يناير 2026، إحداهما صُنفت باعتبارها قتلاً والأخرى انتحاراً، ففي حالة كامبوس، ذكر التقرير أن المنشأة لم تقدم إلى إدارة الهجرة والجمارك تقارير استخدام القوة والوفاة المطلوبة، وأن أدلة مرتبطة بالواقعة فُقدت أو أُتلفت.

أما في حالة الوفاة التي صُنفت انتحاراً، فذكر التقرير أن العاملين وضعوا المحتجز في غرفة للحجز الطبي بدلاً من زنزانة مصممة لمقاومة الانتحار، وتركوه دون مراقبة لأكثر من 15 دقيقة.

وأضافت “رويترز” أن مسؤولي الطب في إدارة الهجرة والجمارك، خلال زيارة للمنشأة في ديسمبر 2025، وجدوا أن المتعهد الطبي لم يوفر الرعاية اللازمة للمحتجزين الذين يعانون مشكلات صحية مزمنة، وأن المحتجزين المصابين بالسكري أو فيروس نقص المناعة البشرية لم تكن لديهم خطط علاجية.

تثير هذه النتائج مخاوف بشأن توثيق حوادث استخدام القوة والوفيات، وحفظ الأدلة اللازمة للتحقيق فيها، إلى جانب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وحماية الأشخاص المعرضين لإيذاء أنفسهم.

ووثق تحقيق “تكساس تريبيون” و”بروببليكا” ثلاث وفيات خلال نحو ستة أسابيع بين ديسمبر 2025 ويناير 2026، حيث توفي فرانسيسكو جاسبار-أندريس، وهو غواتيمالي يبلغ 48 عاماً، في 3 ديسمبر 2025 بسبب فشل الكبد والكلى، ثم توفي كامبوس في 3 يناير 2026، وعُثر على فيكتور مانويل دياز، وهو نيكاراغوي يبلغ 36 عاماً، غير مستجيب في غرفته في 14 يناير 2026، وكانت قطعة من ملابسه ملفوفة حول رقبته. ولم يكن تقرير تشريح دياز منشوراً وقت إعداد التحقيق.

لا تثبت المعلومات المتاحة أن الوفيات الثلاث نتجت عن سبب واحد، كما لا يكفي وقوع الوفاة وحده لإثبات الإهمال، غير أن هذه الحالات تجعل التحقيق في ظروف كل وفاة، وحفظ السجلات والأدلة، ومراجعة الإجراءات الطبية والأمنية، عناصر ضرورية لضمان المساءلة.

حماية المحتجزين

توضح الوقائع التي تناولتها الدعوى القضائية والتحقيقات الصحفية والتقرير الحكومي أن تقييم ظروف “كامب إيست مونتانا” ينبغي ألا يقتصر على تكلفة تشغيل المنشأة أو قدرتها الاستيعابية، بل يجب أن يشمل سلامة المحتجزين، وكفاءة الرعاية الطبية والنفسية، وسرعة الاستجابة للطوارئ، وفاعلية الرقابة على الشكاوى والوفيات.

وتتطلب حماية الحقوق الأساسية توفير العلاج في الوقت المناسب، وضمان بيئة صحية وآمنة، وإتاحة التواصل مع المحامين، والتحقيق في الوفيات وحوادث استخدام القوة استناداً إلى أدلة موثقة، كما تستلزم مراجعة أوجه القصور التي رصدتها الجهات الرقابية وتنفيذ التوصيات الهادفة إلى منع تكرارها.

وبين الاتهامات التي لا تزال تنتظر الفصل القضائي وأوجه القصور التي وثقها مكتب المحاسبة الحكومي، تظل حماية المحتجزين مسؤولية أساسية تقع على عاتق السلطات، فالحرمان من الحرية لا يلغي حق الإنسان في الحياة والسلامة والكرامة، ولا يعفي الجهات المسؤولة من واجب تصحيح أوجه القصور والتحقيق في المخاطر التي يمكن تفاديها ومحاسبة المسؤولين عنها متى ثبتت مسؤوليتهم.