بعد أكثر من أربعة عقود من الحروب والصراعات، لم تتوقف خسائر العراق عند الخراب العمراني أو الانهيار الاقتصادي، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية نفسها، حيث خلّفت النزاعات ملايين الأيتام ونحو مليوني أرملة، وفق تقديرات رسمية.
وبين ضعف الحماية الاجتماعية واتساع دوائر الفقر، تجد آلاف النساء أنفسهن في مواجهة واقع قاسٍ تتداخل فيه الحاجة بالابتزاز، والكرامة بالخوف، في ملف إنساني لا يزال بعيدًا عن الحلول الجذرية.
اليوم، في بغداد وفي دروبها وأزقتها الضيقة، وعلى أطراف المدن التي أنهكتها الحروب والنزاعات، تعيش مئات آلاف النساء العراقيات وحيدات تحت وطأة لقب قاسٍ يلاحقهن ويختزل أطناناً من المعاناة والاحتياج والوجع، هو “أرامل”.
لم تختر هؤلاء النساء أن يخضن معركة الحياة بلا سند أو ظهر، لكن القدر تركهن في مواجهة واقع قاسٍ تتشابك فيه ملامح الفقر والعوز مع الخوف من الاستغلال والابتزاز، إذ تُضاعف التوترات السياسية من هشاشتهن وتسرق من أيامهن الشعور بالأمان والونس.
وفي قلب العراق، حيث تتداخل رائحة الخبز الحار مع دخان الحروب القديمة، تعيش آلاف الأرامل على هامش الحياة، يحملن وجوهًا أنهكها السهر والخوف، وعيوناً تبحث عن أمان ضاع مع مقتل الأزواج الذين رحلوا تاركين خلفهم أعباء ثقيلة.
وفي هذه البؤرة جُرح غائر والحكايات عند مرارة الفقد لا تنتهي، بل تبدأ رحلة أصعب بين الفقر الذي يطحن، والابتزاز الذي يسرق ما تبقى من الكرامة، حيث تواجه الأرامل في العراق واقعًا مريرًا يجمع بين قسوة العوز المادي وخطر الاستغلال، في ظل أزمات سياسية وأمنية متواصلة.
وبينما تشير تقديرات غير رسمية إلى تجاوز عدد الأرامل في العراق حاجز المليوني أرملة، معظمهن فقدن أزواجهن بسبب الصراعات المسلحة منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن، بدءًا من حرب الخليج الأولى (1980-1988) والثانية (1990)، ثم الغزو الأمريكي في عام 2003، وأخيراً اجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي لمناطق واسعة من البلاد عام 2014.
في ذلك البلد العربي الذي عانى لسنوات من الحروب والصراعات، تتساقط أحلام النساء كما تتساقط أوراق الشجر في فصل الخريف، إذ يظل الكثير من الأرامل بلا دخل ثابت أو مأوى آمن، ما يجعلهن عرضة للفقر والتهميش والابتزاز بأشكاله وأنماطه المختلفة.
وبعد رحيل السند، تجد الأرامل أنفسهن في مواجهة شتاء طويل من الفقر والخوف، حيث يخضن معركة جديدة يومياً ضد الجوع والنظرات الطامعة التي ترى في حاجتهن فرصة، وفي ضعفهن طريقًا للابتزاز.
أرامل على حافة العوز.. بلا دخل ولا سقف آمن
في وطن يثقل كاهله الصراعات والحروب، تصبح الكرامة والشرف أثمن ما يمكن الدفاع عنه، وأشد ما تخشى النساء الأرامل فقدانه، فتتحول قصصهن إلى مأساة إنسانية متفاقمة، تتزايد وطأتها مع العنف الطائفي والإرهاب والانهيارات السياسية والاقتصادية.
وعلى عتبة بيت طيني متهالك في أطراف العاصمة العراقية بغداد، تجلس “أم علي” تحكي ملامحها قصصًا أثقلتها الأيام، إذ تقول بصوت مبحوح: “من يوم راح زوجي في الانفجار، ما ظل شي يحميني، حتى إيجار البيت ما أقدر عليه، وبيتي صار خيمة من قماش وأعواد من خشب”.
قصة “أم علي” ليست سوى فصل من رواية طويلة، إذ تشير الإحصاءات غير الرسمية إلى أن الكثير من الأرامل في العراق بلا مصدر دخل أو مأوى آمن، حيث يصبح الفقر والعوز هو الخليل الوحيد لهن بعد فقدان أزواجهن.
وبحسب منظمات حقوقية ونسوية محلية، تتعرض الأرامل إلى ضغوط وتهديدات من أقارب أو غرباء يستغلون حاجتهن، مقابل وعود كاذبة بالمساعدة أو الزواج.
تلك الظاهرة لخصتها “أم علي” في عبارتها لـ”صفر”: “يجون (يأتون) يطرقون الباب بحجة المساعدة، وبعدها يبدون يطلبون (يبدؤون في طلب) أشياء ما ترضي الله، أغلقت بابي على نفسي وأولادي، لكن الفقر والاحتياج يطرق أبواب خيمتنا كل يوم”.
ورغم وجود برامج حكومية ومعونات شهرية، فإن المبالغ الضئيلة لا تكفي لسد رمق العيش في الأسر التي فقدت عائلها الوحيد، وتسعى العديد من المنظمات الخيرية غير الحكومية إلى تقديم المساعدة وسد الفراغ، لكنها عادة ما تصطدم بأعداد تفوق إمكانياتها، تاركة الكثير من الأسر على حافة الجوع أو الدمار.
وبين بيروقراطية الحكومة وقسوة الأوضاع المعيشية في العراق، تبقى أصوات النساء الأرامل خافتة كأنها أصداء تتلاشى في هواء مثقل بالوعود المؤجلة.
أزمة ممتدة.. فقر وتمييز وغياب تأهيل
تواجه النساء الأرامل في العراق جملة من التحديات المعقدة، أبرزها الفقر والعوز المالي، فالكثير منهن لا يمتلكن مصادر دخل ثابتة، ويعتمدن على إعانات حكومية متواضعة لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية، ويُجبر بعضهن على العمل في وظائف هامشية.
كما يواجهن أيضا تمييزًا مجتمعيًا، حيث يتعرضن للنبذ والنظرة الدونية من المجتمع، خاصة في المجتمعات الريفية أو التقليدية، حيث تُلقى عليهن مسؤولية فقدان الزوج أو يُنظر إليهن كعبء ثقيل على ذويهن.
ولا توجد برامج حكومية كافية لإعادة تأهيل الأرامل أو مساعدتهن نفسيًا لتجاوز آثار الصدمة، ولا لتوفير التدريب المهني الذي يمكن أن يمنحهن فرصة حياة كريمة، لا سيما أن عددًا كبيرًا منهن يعشن في مخيمات النزوح التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة، بعد أن دمرت الحرب منازلهن وأفقرت أسرهن.
ورغم وجود وزارة معنية بشؤون المرأة في الحكومة العراقية، فإن البرامج الموجهة للأرامل تبقى ضعيفة أو غير مفعلة، وهناك نقص واضح في التشريعات التي تحمي حقوقهن في الميراث والسكن والحضانة وغيرها.
وقبل ما يزيد على عقدين، قالت الأمم المتحدة “إنه لا توجد فئة أكثر تأثراً بخطيئة الإهمال من الأرامل المستضعفات”، لا سيما أنهن غائبات عن الإحصاءات في عديد من الدول النامية، ونادراً ما يتم ذكرهن في التقارير التي تتعلق بالفقر ووجهه النسائي، أو نقص الخدمات، أو غياب الاهتمام بالصحة البدنية، وبالطبع النفسية، مطلقة عليهن “الفئة المنسية من النساء”.
استجابة حكومية محدودة
في السياق، أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق، خلال عام 2025، عن نشر أسماء المشمولين ببرنامج الرعاية الاجتماعية، وذلك ضمن دفعة جديدة شملت مستفيدين في مختلف المحافظات، عبر المنصة الإلكترونية الرسمية “مظلتي”.
وأوضحت الوزارة أن تلك الخطوة تأتي في إطار تنفيذ برنامج الحماية الاجتماعية الممول من الموازنة العامة للدولة، والذي يستهدف دعم الفئات الأكثر احتياجاً، بما يعزز مبادئ العدالة الاجتماعية ويوسع مظلة الأمان للفئات الهشة.
وأكدت الوزارة أن عملية اختيار المستفيدين اعتمدت على تقييم شامل للوضعين المعيشي والاجتماعي لكل متقدم، استناداً إلى البيانات المدخلة في الاستمارة الإلكترونية، إضافة إلى نتائج التحقيقات الميدانية التي أجرتها فرق مختصة للتحقق من صحة المعلومات.
وشددت على أن معايير الشمول جرى تطبيقها وفق ضوابط دقيقة تهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، في إطار توجه حكومي لتعزيز الشفافية والحد من أي تجاوزات أو ازدواج في الاستفادة.
وشملت القوائم النهائية فئات اجتماعية متعددة، من بينها الأسر التي تعيش تحت خط الفقر ولا تمتلك مصدراً ثابتاً للدخل، والأرامل والمطلقات اللاتي لا معيل لهن.
فاتورة الحروب الثقيلة
في حديث يحمل أرقامًا موجعة، كشف رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية والسفير السابق، غازي فيصل،لـ”صفر”، أن العراق يضم اليوم نحو 6 ملايين طفل يتيم ومليوني أرملة، وهي حصيلة عقود من الحروب والنزاعات التي لم تترك بيتًا إلّا وأثقلت أبوابه بالفقد والحرمان.
وحذّر فيصل من أن غياب الرعاية الكافية لهؤلاء يفتح الباب أمام تهديد خطير للأمن الوطني في العراق، وخاصة إذا ما دفعت الحاجة أو اليأس بعض الأيتام والأرامل نحو طرق مظلمة مثل المخدرات أو الدعارة أو الجريمة المنظمة أو الانضمام لتنظيمات إرهابية.
ودعا السفير السابق حكومة بلاده إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة، بتوفير ضمان اجتماعي ملائم، ورعاية صحية مستمرة، وتأمين سكن كريم، وتعليم مستقر للأطفال الأيتام، حتى لا تتحول جراح الحروب إلى نزيف دائم في جسد المجتمع العراقي.
من جانبه، أكد المحلل السياسي العراقي، حسين السبعاوي، أن ما نراه اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لأزمة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي مع حرب إيران، ثم الحرب الأمريكية، فضلا عن اجتياح تنظيم “داعش”، وصولًا إلى محطة الصراع الطائفي، وهي حروب تركت خلفها أعدادًا هائلة من الأرامل واليتامى.
وأشار السبعاوي، في تصريح لـ”صفر” إلى أن الدولة تمنح بعض الأرامل رواتب شهرية كمساعدة، لكن هذه المساعدات لا تصل إلى الجميع، كما أن الأزمة لا تتعلق بالأموال فقط، بل تتعداها لتصل إلى التنشئة والتعليم، وهو ما يترك أثرًا عميقًا على المجتمع بأكمله.
ويصف السبعاوي أوضاع الأرامل في العراق بأنها أزمة إنسانية ومجتمعية معقدة بلا حل نهائي حتى الآن، مقترحًا حلولًا اجتماعية مثيرة للجدل مثل فتح باب التعدد في الزواج، مع اعترافه بأن هذا الخيار قد لا يلقى قبولًا واسعًا في المجتمع.
واختتم حديثه بالدعوة إلى إلزام الدولة بتعليم وإيواء الأيتام لحمايتهم من استغلال مافيا الجريمة، محذرًا من أن مأساة الأرامل قد تظل فصلًا مفتوحًا في تاريخ العراق، ما لم يتحقق اهتمام رسمي وشعبي أكبر بهذا الملف المعقد.
في بلد أنهكته الحروب، تبدو الأرامل الحلقة الأضعف في معادلة اجتماعية معقدة، حيث تتقاطع هشاشة الدعم مع ثقل الأعراف والضغوط الاقتصادية، وبين جهود حكومية لا تزال محدودة، وتحذيرات من مخاطر اجتماعية وأمنية مستقبلية، يبقى السؤال مفتوحا: هل يتحول ملف الأرامل في العراق من أزمة إنسانية مؤجلة إلى أولوية وطنية تعيد لآلاف النساء بعضا من الأمان المفقود؟

