أثارت تقارير حديثة مخاوف حقوقية متزايدة بشأن احتمال استخدام ذخائر تحتوي على الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، في ظل التصعيد العسكري المستمر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وأعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلقها إزاء هذه التقارير، داعية إلى إجراء تحقيق فوري ومستقل لتحديد ملابسات الحوادث والتحقق من مدى التزام الأطراف المتحاربة بقواعد القانون الدولي الإنساني.
ويأتي ذلك في وقت وثّقت فيه منظمات حقوقية صورًا ومقاطع مصورة تشير إلى احتمال استخدام هذه الذخائر في مناطق مأهولة بالسكان، وهو ما قد يشكل انتهاكًا لقواعد النزاعات المسلحة إذا ثبت استخدامه بطريقة عشوائية أو في مناطق مدنية مكتظة.
توثيق ميداني وتحقيقات حقوقية
أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها أنها تحققت من عدد من الصور الفوتوغرافية التي تظهر استخدام ذخائر فوسفور أبيض فوق مناطق سكنية في بلدة يحمور جنوب لبنان. وأظهرت الصور اندلاع حرائق في منازل ومركبات نتيجة تساقط أجزاء من المادة المشتعلة.
وأشارت المنظمة إلى أن فرق الدفاع المدني اللبناني شوهدت وهي تحاول إخماد النيران الناتجة عن هذه الهجمات، محذرة من أن استخدام الفوسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة بالسكان قد يعرض المدنيين لخطر الإصابات الخطيرة ويشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني إذا تم استخدامه بصورة عشوائية.
ما هو الفوسفور الأبيض؟
الفوسفور الأبيض مادة كيميائية شديدة الاشتعال، تشتعل تلقائيًا عند تعرضها للأكسجين في الهواء، وتصل درجة حرارة احتراقها إلى نحو 800 درجة مئوية، ما يجعلها قادرة على إشعال الحرائق وإحداث إصابات حادة عند ملامستها لجسم الإنسان.
وغالبًا ما تُطلق هذه المادة عبر قذائف مدفعية أو قنابل جوية أو صواريخ، حيث تنفجر القذيفة في الهواء مطلقة شظايا صغيرة مشتعلة تنتشر على مساحة واسعة، ويمكن لهذه الشظايا أن تستمر في الاحتراق حتى نفاد المادة أو عزلها عن الأكسجين، وهو ما يجعل السيطرة على الحرائق الناتجة عنها أمرًا بالغ الصعوبة في ظروف القتال.
كما قد يؤدي استنشاق الدخان الكثيف الناتج عن احتراق الفوسفور الأبيض إلى تهيج الجهاز التنفسي وإصابات في العينين والجلد، وفق تقارير طبية ومنظمات حقوقية.
لماذا تستخدم الجيوش الفوسفور الأبيض؟
تستخدم الجيوش الفوسفور الأبيض لعدة أغراض عسكرية، من أبرزها: إنشاء ستار كثيف من الدخان لإخفاء تحركات القوات والمعدات العسكرية، و تحديد الأهداف العسكرية في ساحة المعركة، و إضاءة مناطق القتال ليلًا، واستخدامه أحيانًا في إحراق المواقع أو التحصينات العسكرية.
ورغم أن استخدام الفوسفور الأبيض ليس محظورًا بشكل كامل بموجب القانون الدولي، فإن إطلاقه في مناطق مأهولة بالسكان قد يجعله سلاحًا ذا آثار عشوائية، ما قد يؤدي إلى انتهاك قواعد الحرب التي تلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين وتقليل الأضرار الواقعة عليهم.
الإصابات البشرية وآثارها الصحية
تعد الإصابات الناتجة عن الفوسفور الأبيض من أخطر الإصابات في النزاعات المسلحة، فعند ملامسة الجلد يمكن أن تتسبب المادة في حروق عميقة وشديدة قد تصل إلى الأنسجة الداخلية، كما قد تعاود الاشتعال عند تعرضها للأكسجين مجددًا.
وتشير تقارير طبية إلى أن الجزيئات الصغيرة من الفوسفور الأبيض قد تتسبب في تسمم حاد واضطرابات في وظائف الأعضاء في حال دخولها إلى مجرى الدم، وهو ما يزيد من خطورة الإصابات ويرفع معدلات الوفيات في حالات الحروق الواسعة.
أرقام وإحصاءات
تشير بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان إلى تسجيل نحو 175 حادثة استخدام محتمل للفوسفور الأبيض في جنوب البلاد منذ أكتوبر 2023، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة طالت أكثر من 600 هكتار من الأراضي الزراعية، كما أسهمت العمليات العسكرية المتبادلة في مقتل ما يقرب من 400 شخص ونزوح مئات الآلاف من السكان من المناطق الحدودية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في جنوب لبنان وتعطيل النشاط الزراعي والاقتصادي في عدد كبير من القرى الحدودية.
التداعيات الإنسانية والبيئية
لا تقتصر آثار الفوسفور الأبيض على الإصابات البشرية، بل تمتد أيضًا إلى البيئة والاقتصاد المحلي، فالحرائق الناتجة عن هذه المادة قد تدمر مساحات واسعة من الغابات والمزارع خلال وقت قصير، كما يمكن أن تؤدي إلى تلوث التربة والمياه بمركبات كيميائية ضارة.
وفي المناطق التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة، مثل جنوب لبنان، قد تتسبب هذه الحرائق في خسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين، إضافة إلى تأثيرات محتملة في الأمن الغذائي للسكان المحليين.
ردود فعل أممية
دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى إجراء تحقيق مستقل في التقارير المتعلقة باستخدام الفوسفور الأبيض، مؤكدة أن مثل هذه الادعاءات تتطلب تدقيقًا عاجلًا نظرًا لما قد تنطوي عليه من مخاطر جسيمة على المدنيين.
وشددت المفوضية على ضرورة التزام جميع أطراف النزاع بمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية ومبدأ التناسب في استخدام القوة.
الإطار القانوني الدولي
لا يُصنّف الفوسفور الأبيض رسميًا بوصفه سلاحاً كيميائياً، لكنه يُعد من الأسلحة الحارقة التي تنظمها اتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980، ولا سيما البروتوكول الثالث الذي يقيّد استخدام الأسلحة الحارقة ضد المدنيين أو في المناطق المأهولة.
وينص القانون الدولي الإنساني على حظر استخدام الأسلحة بطريقة عشوائية أو عندما تكون الأضرار المتوقعة على المدنيين غير متناسبة مع المكاسب العسكرية المرجوة.
تاريخ طويل من الجدل في الحروب
استخدم الفوسفور الأبيض في عدة نزاعات مسلحة خلال القرن العشرين والواحد والعشرين، منها حرب فيتنام، والحروب الأمريكية في العراق (معركة الفلوجة) والتي راح ضحيتها أكثر من 5 آلاف شخص بين قتيل وجريح أغلبهم نساء وأطفال، والحرب الروسية في أوكرانيا، إضافة إلى النزاعات في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا بين 2016 و2017 حيث قضى أكثر من 1410 ضحايا -بينهم 200 طفل وامرأة- في الهجوم الكيميائي على غوطة دمشق، وفي كثير من هذه الحالات أثار استخدام الفسفور الأبيض جدلاً واسعًا بسبب آثاره الإنسانية والبيئية، ففي حرب غزة عام 2009 وثقت منظمات حقوقية استخدام نحو 200 قذيفة فوسفور أبيض في مناطق مدنية مكتظة، ما أدى إلى إدانات دولية واسعة ومطالب بفرض قيود أشد على استخدام الأسلحة الحارقة.
أزمة تتجاوز ساحة المعركة
يعكس الجدل المتواصل حول الفوسفور الأبيض التحديات التي يواجهها القانون الدولي الإنساني في ظل الحروب الحديثة، حيث يمكن لسلاح صُمم لأغراض عسكرية محددة أن يتحول إلى مصدر لمعاناة إنسانية واسعة عندما يُستخدم في مناطق مدنية.
ومع تصاعد النزاعات في مناطق مختلفة من العالم، يتزايد الضغط على المجتمع الدولي لتعزيز آليات المساءلة القانونية وضمان حماية المدنيين من الأسلحة التي قد تسبب أضرارًا جسيمة وطويلة الأمد.
