أثار اغتيال الناشطة العراقية البارزة في مجال حقوق المرأة ينار محمد موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الأوساط الحقوقية المحلية والدولية، وسط دعوات متزايدة للسلطات العراقية بفتح تحقيق جدي وشفاف ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، في ظل تصاعد المخاوف من تدهور أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في البلاد.
وقُتلت ينار محمد (65 عاماً) بالرصاص في 2 مارس الجاري، أمام منزلها في بغداد على يد مسلحين كانا يستقلان دراجتين ناريتين، وفق ما أفادت به منظمة هيومن رايتس ووتش، اليوم الخميس، حيث قالت إنها نُقلت إلى المستشفى بعد إصابتها بجروح خطيرة، لكنها توفيت لاحقاً متأثرة بإصابتها.
ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، فيما طالبت منظمات حقوقية بضرورة الكشف عن الجناة والجهات التي تقف خلفهم، محذرة من استمرار نمط استهداف النشطاء في العراق دون محاسبة.
الدفاع عن النساء
تعد ينار محمد من أبرز المدافعات عن حقوق المرأة في العراق خلال العقدين الماضيين، فقد شاركت عام 2003 في تأسيس منظمة حرية المرأة في العراق، التي أصبحت من أبرز المنظمات النسوية المدافعة عن حقوق النساء في البلاد.
وفي العام نفسه أسست أول ملجأ لحماية النساء المعرضات للخطر في العراق، قبل أن تتوسع شبكة الملاجئ لاحقاً لتشمل عدة مدن.
ووفق المنظمة، وفّرت هذه المراكز الحماية لأكثر من 1300 امرأة هربن من جرائم الشرف والعنف الأسري والاتجار بالبشر.
كما أطلقت صحيفة نسوية بعنوان “المساواة”، وأسهمت في تدريب أجيال من الناشطات في مجال حقوق المرأة والعمل المدني.
وحصلت ينار محمد على عدد من الجوائز الدولية تقديراً لجهودها الحقوقية، من بينها جائزة مؤسسة غروبر لحقوق المرأة عام 2008، وجائزة رافتو النرويجية لحقوق الإنسان عام 2016، كما أُدرج اسمها ضمن قائمة “100 امرأة” التي تصدرها BBC عام 2018.
صدمة في الأوساط الحقوقية
قالت الباحثة في هيومن رايتس ووتش، سارة صنبر إن اغتيال ينار محمد يمثل خسارة كبيرة للحركة النسوية في العراق، مؤكدة أن جهودها أسهمت في تحسين حياة عدد لا يحصى من النساء.
وأضافت: “كانت ينار محمد قائدة ملهمة لا تعرف الكلل في الدفاع عن حقوق المرأة. فقدانها مؤلم للغاية، وهي تستحق العدالة، والحكومة العراقية مسؤولة عن ضمان تحقيقها”.
من جانبها أدانت منظمة “حرية المرأة في العراق” الجريمة ووصفتها بأنها “استهداف مباشر للنضال النسوي وقيم الحرية والمساواة”، مطالبة السلطات بالكشف الفوري عن الجناة ومحاسبتهم وفق القانون.
استهداف المدافعين عن الحقوق
يرى مراقبون أن اغتيال ينار محمد يأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي استهدفت نشطاء سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان في العراق خلال العقد الماضي.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الفضاء المدني في العراق يواجه ضغوطاً متزايدة، خصوصاً بالنسبة للناشطات المدافعات عن حقوق النساء، اللواتي تعرضن في السنوات الأخيرة لتهديدات متكررة وحملات تشهير واعتداءات.
وتزايدت هذه الضغوط على خلفية الجدل الذي أثاره تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق، والذي دخل حيز التنفيذ في يناير 2025 رغم معارضة واسعة من منظمات المجتمع المدني والجماعات النسوية.
الإفلات من العقاب
حذرت هيومن رايتس ووتش من أن استمرار عمليات الاغتيال دون محاسبة يعكس نمطاً خطيراً من الإفلات من العقاب في العراق.
وقالت المنظمة الحقوقية، إن السلطات العراقية فشلت خلال السنوات الماضية في تحقيق العدالة لعائلات العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين الذين تعرضوا للقتل، ما شجع على استمرار هذه الجرائم.
وأكدت المنظمة أن اغتيال ينار محمد كان من الممكن منعه لو تم التحقيق بجدية في الجرائم السابقة ومحاسبة المسؤولين عنها.
إرث مستمر رغم الاغتيال
رغم الصدمة التي خلّفها مقتلها، يرى ناشطون أن إرث ينار محمد سيبقى حاضراً في الحركة النسوية العراقية.
وقالت الباحثة سارة صنبر إن اغتيالها لن يوقف النضال من أجل المساواة وحقوق النساء، مضيفة أن القيم التي دافعت عنها ستظل حية في جهود النساء اللواتي يواصلن مسيرتها.
ويؤكد حقوقيون أن تحقيق العدالة في هذه القضية لن يكون فقط إنصافاً لذكرى ينار محمد، بل خطوة ضرورية لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وضمان سلامة العمل المدني في العراق.
